“أفضّل ألا أفعل”!

قادني فيديو قصير على انستقرام إلى البحث عن هذه القصة التي شدتني لأقرأها في ساعة واحدة. كنت أظنها قصة موظف متمرد يرفض طلبات مديره ليخلق حالة استثنائية وامتيازات خاصة به، إلا أن الحبكة تتجاوز تلك الفكرة إلى نص أدبي يمتلك مساحة واسعة للتأويل والفهم نظرًا لاختلاف الزاويا التي ننظر منها.

“أفضّل ألّا أفعل” .. الجملة التي يكررها بطل القصة أمام كل طلب ورغم بساطتها إلا أنها تحمل ثقلًا فلسفيًا هائلًا، وتُعد مفتاحًا لشخصية “بارتلبي النساخ”، بطل قصة هيرمان ملفيل التي نُشرت عام 1853.

تدور أحداث القصة في قلب وول ستريت، حيث يوظف محامٍ رجلًا هادئًا ومنعزلًا يُدعى بارتلبي للعمل ناسخًا للوثائق القانونية. في البداية، يبدو بارتلبي الموظف المثالي المنتج، يعمل بصمت فلا يشتكي ولا يثير المشكلات. لكن هذا الهدوء يتبعه تحول غريب ومقلق.

عندما يُطلب منه تنفيذ مهمة إضافية تكون إجابته الوحيدة التي تتكرر بانتظام مزعج “أفضّل ألّا أفعل.” أعرف أنك تحدث نفسك ليتني أستطيع قولها، لكن الأمر ليس كذلك إطلاقًا! فهو لا يقول “لا” صريحة، ولا يقدم مبررات، فقط “يفضّل ألا يفعل”.

يتوالى الرفض فيرفض مراجعة الوثائق، يرفض التعاون مع الزملاء، يرفض العمل، يرفض مغادرة المكتب بعد إقالته، ثم يرفض الحياة نفسها بشكل تدريجي ومأساوي وهادئ جدًا بشكل جعل مديره لا يتمكن من الانفعال عليه وإن حدث فسرعان ما يشعر بخطئه ويعاود الحديث معه.

يكرر بارتلبي نفس العمل يوميًا بلا روح في مكتب يمثل عالم الإنتاج والكفاءة والإنجاز كأن السؤال الذي تطرحه القصة ماذا يحدث للإنسان عندما تتحول حياته إلى وظيفة فقط؟ هل يفقد معناه ودافعيته عندما يصبح مجرد ترس في آلة إنتاج ضخمة؟

لم يشرح ملفيل أسباب سلوك بارتلبي بشكل واضح، تاركًا الباب مفتوحًا للتأويلات. قد يُقرأ بوصفه شخصية تعاني من اكتئاب عميق أو فقدان كامل للمعنى. بارتلبي لا يغضب، لا يشتكي، لا يحلم، لا يطلب شيئًا. فقط ينسحب شيئًا فشيئًا من العالم في تجسيد مرعب لما يمكن أن يفعله اليأس الصامت بالإنسان. إنه يمثل رد فعل غريب داخل منظومة العمل، ووجوده يطرح سؤالًا مزعجًا هل قيمة الإنسان مرتبطة فقط بقدرته على الإنتاج؟ عندما يتوقف عن الإنتاج، كيف نتعامل معه؟ هل يفقد صلاحيته! فضلًا عن تأثيره غير المباشر على من حوله.

توقف بارتلبي عن المشاركة تمامًا، لا يحاول تغيير شيء، لا يهرب من شيء، بل امتنع عن كل شيء.

في نهاية القصة، نكتشف أن بارتلبي كان يعمل سابقًا في مكتب الرسائل الميتة، وهو مكان تُرسل إليه الرسائل التي لن تصل أبدًا إلى أصحابها. كانت طبيعة عمله هناك تتلخص في التعامل مع الرسائل التي تعذر تسليمها لأصحابها لأسباب مختلفة (وفاة المرسل إليه، تغيير العنوان، أو فقدان الأثر). وتتلخص مهامه في قراءة الرسائل المجهولة لمعرفة ما إذا كانت تحتوي على أي شيء ذي قيمة أو معلومات تدل على صاحبها ثم حرق تلك الرسائل التي لا أمل في وصولها وهو الجزء الأكثر قسوة.

هذه المعلومة هي مفتاح فهم القصة، فالرسالة الميتة هي رسالة كُتبت بحب أو أمل أو شوق، لكنها لم تجد طريقها إلى أحد. وكأن بارتلبي نفسه أصبح رسالة ميتة، إنسان موجود جسديًا لكنه منفصل عن العالم من حوله، بلا هدف، بلا معنى، بلا تواصل.

ما زالت هذه القصة مهمة حتى اليوم لأنها تلامس أسئلتنا حول العمل، المعنى، الاحتراق الوظيفي، العزلة، الصحة النفسية، والعلاقة بين الإنسان وما ينتجه وتذكرنا أن فقدان المعنى قد يكون أخطر من فقدان الدافع حيث يمثل الدافع المحرك بينما المعنى هو الوجهة.

كانت شخصية بارتبلي سؤالًا ضخمًا عن اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن رؤية جدوى ما يفعل، وعن الثمن الذي يدفعه حين يعجز عن إيجاد المعنى.

إن أخطر أشكال الانسحاب ليس مغادرة الإنسان مكانه، بل أن يبقى فيه بينما تغادره الرغبة وهذ يجعلنا نتأمل في دوافعنا وكيفية الحفاظ على شرارة الحياة والمعنى متّقدة ومهما كلفنا الأمر. كما أن علينا ألا نخاف من إنسان غاضب فهو ما زال يؤمن بأن هناك شيئًا يستحق الغضب من أجله وإمكانية التغيير. أما بارتلبي فقد توقف عن الاعتقاد بأن المشاركة نفسها تستحق المحاولة وهذا ما يخيف حقًا!

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

أضف تعليق