كنّا نتداول أطراف حديث ممتع يتضمن آخر قصصنا وأهدافنا وخططنا وحين صرّحتُ لها بخطة تطوير أعمل عليها حاليا، قالت ” خلود ما أظنك تحتاجيها “، استرسلت بالحديث لأطرح على الطاولة كل أفكاري نحو ما أسعى له. وقتها تفهمت صديقتي ما أقوله وأيّدت جزءًا كبيرًا منه، ولكن ظلت الفكرة تجول في عقلي عن الفارق بين المبررات الحقيقية والأهداف المعلنة وكيف لها أن تدير دفة رأي.
تُعدّ العلاقة بين المبررات (Justifications) والأهداف (Objectives) حجر الزاوية في فهم ديناميكيات أي مسعى، سواء كان مشروعًا مؤسسيًا ضخمًا أو مبادرة شخصية بحتة أو خطط تطويرنا الحياتية. فبينما تُشكل الأهداف البوصلة التي توجه المسار وتُعلن للجميع، تُمثل المبررات الجذور العميقة التي تغذي هذا المسار وتُعطيه معناه الحقيقي.
تُعرف المبررات بأنها الأسباب الكامنة، الدوافع الأساسية، والقناعات الجوهرية التي تدفع الفرد أو المنظمة للشروع في مشروع ما. هي الإجابة على سؤال “لماذا نفعل نحن هذا؟” على مستوى عميق وشخصي أو استراتيجي داخلي.
في سياق المشاريع المؤسسية قد تشمل المبررات تحسين الكفاءة الداخلية، تخفيض التكاليف التشغيلية، الاستجابة لتهديد تنافسي، أو تحقيق رؤية استراتيجية طويلة الأمد لا يُفصح عنها بالكامل للملأ. هذه المبررات غالبًا ما تكون حساسة وتتطلب فهمًا عميقًا للسياق الداخلي.
أما في المشاريع الشخصية، فالمبررات هي شغفك، قيمك، طموحاتك غير المعلنة، رغبتك في النمو، حاجتك لتكوين علاقات، رغبتك بتنظيم حياتك أو تحقيق ذاتك . هي تلك القناعات التي تُشكل هويتك وتُحدد أولوياتك وتظل غالبًا حبيسة ذاتك لا يدركها الآخرون بكامل أبعادها. هذه المبررات هي وقودك الداخلي الذي يدفعك للاستمرار ويمنحك المرونة في مواجهة التحديات.
على النقيض، تُعد الأهداف هي الغايات المعلنة، القابلة للقياس، والمحددة زمنيًا التي يسعى المشروع لتحقيقها. هي الإجابة على سؤال “ماذا نريد أن نحقق؟” بطريقة واضحة وملموسة.
في إدارة المشاريع، تُصاغ الأهداف غالبًا وفق معايير SMART (محددة، قابلة للقياس، قابلة للتحقيق، ذات صلة، ومحددة زمنيًا)، وتُعلن للجمهور وأصحاب المصلحة لتوحيد الجهود وتقييم الأداء. هي الواجهة التي يرى من خلالها العالم الخارجي قيمة المشروع ونجاحه.
وفي الحياة الشخصية، الأهداف هي تلك الإنجازات التي تُعلنها، مثل الحصول على شهادة، تعلم مهارة جديدة، أو تحقيق مستوى معين من اللياقة البدنية. هذه الأهداف هي ما يُقاس به تقدمك ونموك وربما صيتك.
يكمن التحدي الحقيقي في الحفاظ على التوازن بين هذه الثنائية. فبينما تُوفر أهداف المشروع – أيًا كان نوعه ـ الوضوح والمساءلة، تُوفر المبررات المعنى والمرونة. عندما يرى المحيطون بك الأهداف المعلنة فقط فإنهم يُقيمون حاجتك للوصول إلى الهدف بناءً عليها، وبالتالي يُقدمون نصائح، انتقادات، أو حتى ضغوطًا لتغيير مسارك، بناءً على فهمهم الجزئي.
هنا تبرز أهمية إدراك أن وجهات النظر الخارجية غالبًا ما تكون قاصرة عن الإحاطة بجميع جوانبك ودوافعك الحقيقية. إن التراجع عن مشروع أو هدف شخصي بسبب رأي خارجي لا يدرك مبرراتك الجوهرية يُعد تفويتًا للحياة التي تسعى لها. هذا لا يعني تجاهل النقد البنّاء بل يعني فلترة الآراء الخارجية عبر مرشح مبرراتك وقيمك الخاصة ومدى فهم الآخر لظروفك وواقعك وطبيعتك.
اسمح لمبرراتك أن تكون مرساتك في بحر الآراء المتلاطمة وأن تكون مصدر إلهامك. فالمشروع الحقيقي سواء كان مؤسسيًا أو شخصيًا، هو ذلك الذي تتناغم فيه الأهداف المعلنة مع المبررات الجوهرية، مما يضمن ليس فقط النجاح الظاهري، بل الرضا الداخلي والاستمرارية الحقيقية.
