لن يأكل الساندويش أي أحد

منذ أن سمعت طريقة الساندوش في تقديم التغذية الراجعة ـ وهذا قبل سنوات طوال ـ وأنا لا أرتاح لها وأشعر أنها نوع من التدليس ومع الوقت بت أكشفها بسهولة وأرتاب من أي مديح يقدّم لي لأن ما يليه معروف فلا “تطوّلها وهي قصيرة وهات من الآخر” 🙂

في عالم الإدارة والقيادة، تُعتبر طريقة “الساندوش” في تقديم الملاحظات (Feedback Sandwich) وصفة كلاسيكية لا يكاد يخلو منها تدريب إداري، إذا كنت للآن تستخدمها فيبدو أنّك لم تحدّث معلوماتك من وقت طويل.

تقوم فكرة الساندويش على مبدأ بسيط، لتمرير رسالة نقدية، قم بتغليفها بين طبقتين من المديح، تماماً كحشوة الساندويش. ابدأ بإيجابية، ثم قدم النقد، واختتم بإيجابية أخرى. ورغم أن هذه الطريقة تبدو حلاً دبلوماسياً لتجنب المواجهات غير المريحة، إلا أن إجماعاً متزايداً من خبراء علم النفس التنظيمي، مدعوماً الآن بأدلة تجريبية، يثبت أنها ليست فقط غير فعالة، بل ضارة على المدى الطويل.

قبل تفكيك هذه الطريقة، من المهم فهم أسباب جاذبيتها. يلجأ القادة إلى طريقة الساندويش لعدة أسباب، معظمها ينبع من نوايا حسنة ولكنها تستند إلى افتراضات خاطئة.

  • السبب الأول: هو الخوف من المواجهة والرغبة في تجنب إيذاء مشاعر الموظفين.
  • السبب الثاني: هو الوهم بتحقيق التوازن، حيث يعتقد القائد أنه يقدم رؤية شاملة للأداء.
  • السبب الثالث: هناك دافع نفسي لدى القائد نفسه، وهو تقليل الانزعاج الشخصي المصاحب لتقديم النقد.

لسنوات، حذر مفكرون مثل روجر شوارتز، وآدم جرانت، وكيم سكوت من هذه الطريقة لأسباب نفسية وعملية عميقة:

  • التلاعب وانعدام الشفافية: يصفها شوارتز في مقالته بمجلة هارفارد بزنس ريفيو بأنها “استراتيجية تحكم أحادية الجانب” [1]. إنها تهدف إلى التلاعب بمشاعر المتلقي دون الكشف عن النية الحقيقية.
  • تقويض المصداقية: مع تكرار استخدامها، يتعلم الأشخاص “فك شيفرتها”، يصبح المديح الافتتاحي إشارة إلى أن نقداً قادماً، مما يجعله يبدو غير صادق ويقوض الثقة [2].
  • زيادة القلق: على عكس الهدف المرجو، فإن المديح المبدئي لا يريح الموظف، بل يضعه في حالة تأهب وقلق، منتظراً النقد، ومهما كانت المرونة النفسية فإن النقد سيظل أمرًا غير مريح.

جاءت دراسة بعنوان “Should You Order the Feedback Sandwich? Efficacy of Feedback Sequence and Timing” لتقدم دليلاً تجريبياً قوياً. لم تكتف الدراسة بإظهار ضعف طريقة الساندويش التقليدية (إيجابي-تصحيحي-إيجابي)، بل وجدت أن تسلسلاً آخر كان أكثر فعالية بشكل ملحوظ [4].

نوع الفيدباكالنتيجة على الأداء
لا يوجد فيدباكالأسوأ على الإطلاق
الساندويش التقليدي (إيجابي-تصحيحي-إيجابي)أقل فعالية من البديل
البديل (تصحيحي-إيجابي-إيجابي)الأكثر فعالية

الدراسة لم تقل فقط أن الساندويش ليس مثالياً، بل أثبتت أن البدء بالنقد مباشرة ثم المتابعة بالتشجيع هو النهج الأمثل لتحسين الأداء. هذا يقلب فكرة الساندويش رأساً على عقب، ويؤكد أن محاولة “تغليف” النقد هي استراتيجية فاشلة.

إذا كانت طريقة الساندويش خاطئة، فما هي البدائل الفعّالة؟

1. بدلاً من تجميع المديح والنقد معاً، قدم كل منهما في وقته.

2. أظهرت إحدى الدراسات أن بدء محادثة الفيدباك بجملة بسيطة مثل: “أنا أقدم لك هذه الملاحظات لأن لدي توقعات عالية جداً، وأنا أعلم أنك تستطيع تحقيقها”، يمكن أن يزيد من تقبل المتلقي للفيدباك بنسبة 40% [3].

3. بدلاً من تقديم النقد كحقيقة مطلقة، قدمه كملاحظة وافتح حواراً, يقترح روجر شوارتز البدء بـ: “لقد لاحظت كذا وكذا، هل يمكنك مشاركتي وجهة نظرك حول ما حدث؟” [1].

أعتقد جاء الوقت لنبذ طريقة الساندويش التي عفا عليها الزمن، إنها تمثل حلاً سهلاً يقدم راحة مؤقتة على حساب الثقة والفعالية والنمو على المدى الطويل. لا أحد يريد أن يتم التلاعب به؛ إنما معرفة الحقيقة بوضوح واحترام.

إن النقد البناء هو هدية ثمينة تقدمها لمن تهتم بنموهم وعندما يأتي بصدق وشفافية واهتمام حقيقي، فإنه لا يحتاج إلى أي طريقة لتغليفه، وإن لم تكن حجة أنها أصبحت طريقة مكشوفة لكفى للتوقف عنها.

إليك المراجع في حال كنت لا تحب هذه الطريقة وأردت أن تدعم وجهة نظرك : )

[1] Schwarz, R. (2013). “The ‘Sandwich Approach’ Undermines Your Feedback.” Harvard Business Review.

[2] Lowisz, S. (2022). “Why The Sandwich Approach To Criticism Is Terrible Advice.” Forbes.

[3] Grant, A. (2016). “Stop Serving the Feedback Sandwich.” Medium.

[4] Hine, D. W., et al. (2015). “Should you order the feedback sandwich? Efficacy of feedback sequence and timing.” Journal of Organizational Behavior.

[5] Scott, K. (2024). “Why The Feedback Sandwich Is Ineffective & What to Do Instead.” Radical Candor.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

لا توجد آراء بشأن "لن يأكل الساندويش أي أحد"

  1. رائع أتفق معاك بكل حرف 👏🏻👏🏻👏🏻
    هذه طريقة مؤذية وغير موثوقة في التوجيه والتصحيح وتقديم الإرشاد.
    ومن ملاحظتي على المدراء المحبين لها، يتشاركون بسمات شخصية مثل التردد، عدم تحمل المسؤولية، الاتكالية، والأهم عدم تقديم تدريب للموظفين الجدد أو وصف وظيفي واضح بالمهام الموكلة لهم فيعالجون قصورهم بأداء عملهم بتقديم الملاحظات بهذه الطريقة والحقيقة إن باب النجّار مخلّع!

    إعجاب

اترك رداً على Aeshah إلغاء الرد