من المراقبة إلى التمكين

كنت أتصفح إحدى المنصات وشاهدت إعلان وظيفي مكتوب فيه ” نحتاج شخص لا يحتاج للمتابعة”، فقررت أن أكتب عن فكرة المتابعة.

يتطلّب عملي الكثير من المتابعات لمن حولي والمتابعة لي أيضًا، والحقيقة ظننت أني أكره أن أتابِع أو يُتابعني أحد، ثم بعد التأمل اكتشفت أن ما أكرهه هو طريقة المتابعة التفصيلية والعشوائية، لذلك أكتب عن تجربتي التي أراها قد نفعتني وحققت الغرض.

لم تكن متابعة الفريق هي ما تشغلني في المقام الأول كأي مدير مشروع، ولكن كيف أصمم نظام متابعة منطقي وانسيابي في طبيعته ولا يشبه الاستجواب.

سألت نفسي .. ما الغاية أصلًا من المتابعة؟ هي أن تتأكد بأن جميع المهام تسير بطريقة صحيحة ووفق نطاقها الزمني المحدد لها، إذن يجب أن أعرف كيف هو شكل المهمة الصحيح وزمنها.

بعد ذلك … من الجيد أن يفهم الفريق لماذا أتابع؟ تحدث المتابعة للتأكد أن المهمة تؤدى كما يجب دون هدر الوقت والطاقة وإن لم يكن ذلك فما الحلول التي يمكن أن نقدمها لأجل إصلاح الأمر باكرًا؟، فاستبدلت السؤال المزعج “اش صار على كذا؟ أو فين وصلت في كذا؟” ب “كيف الأمور؟ في مشكلة تحب أحد يساعدك فيها؟” إضافة إلى الاتفاق على وقت المتابعة ليكن زمنًا معلومًا غير مفاجئ.

ثم يأتي السؤال المهم … كيف تتابع فريقك؟

جزء من رفع قدر المسؤولية لدى شخص أن تجعل القرار نابعًا منه وذلك عن طريق السؤال “كم تستغرق منك هذه المهمة؟” تحديد عدد الساعات لا يشكّل إلزامًا وحسب بل نوع من التقدير الذي ينقل رسالة مفادها “أنا أعرف تمامًا أن هذا الأمر يأخذ من وقتك وجهدك، وأنت أدرى به وأكثر خبرة” أعترف بأني كثيرًا ما أفاوض في عدد الساعات وأستخدم أسلوب “آخر كلام، كلام آخر” : ) وهذا الأمر يتطلب منك أن تسمع للعمليات التفصيلية لأداء المهمة، وتقترح طرقًا لاختصار وقتها.

لا يمكن متابعة الجميع بأسلوب واحد، لذلك أحب أن أسأل دائمًا الأشخاص ” ما النمط الذي تفضّله لمتابعة المهمة؟ ” أو ” كيف أبقى على اطلاع بآخر التحديثات؟ ” هل ستوافيني بالتفاصيل آخر اليوم؟ أو ستعمل على ملف سحابي مشترك بيننا؟ أو ماذا تقترح؟ وتظهر هنا الفروقات.

الفكرة .. أن المتابعة أبعد من سؤال “اش صار؟” ولكن هل صار بالطريقة الصحيحة أو لا؟ والفكرة الأخرى .. انسيابية عمليات المتابعة دون أن تتحول لمصدر قلق وازعاج وقطع للأفكار.

أثناء المتابعة يجب أن تبرز خبرتك من خلال التقييم والتطوير والتحسين، وأن لا يكون الأمر مجرد تسليم مهام فقط، تستطيع أن تتابع ببرنامج الاكسل وبرامج إدارة المشاريع ولكن هناك فرق بين مخاطبة روح الإنسان ومخاطبته كآلة منفّذة فقط.

هل ينفع هذا مع الجميع؟ بالطبع لا ولكل قاعدة شواذ، البعض يتراخى دون سبب ويحتاج لمتابعة دقيقة، لهذا يجب أن تعرف إجراءات التأخير والتصعيد وتكون واضحة للجميع ثم تحتكم لها.

الخلاصة أن المتابعة الفعّالة تقوم على ثلاثة أعمدة: وضوح المهمة وزمنها، اختيار أسلوب المتابعة المناسب لكل شخص، وتحويل المتابعة من مجرد مراقبة إلى مساحة للتقييم والتحسين، وحين تتوافر هذه الأعمدة، تصبح المتابعة وسيلة لضمان جودة العمل، وبناء الثقة، ورفع المسؤولية الفردية والجماعية معًا.

فالمتابعة ليست أن “أراقبك”، بل أن “أمكّنك”.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

رأيان على “من المراقبة إلى التمكين

أضف تعليق