المنفعة والمعنى

على طاولة صغيرة نتجاذب فيها أطراف الحديث، دار بيننا نقاش يبدو بسيطًا في ظاهره.
قالت صديقتي بملامح تبدو عليها الحيرة: “أشعر بالملل وعدم الجدوى من عملي، أعيش يوميًا في دائرة مفرغة… طفشت.” ردّت الأخرى بنبرة حازمة وواقعية: “راتبك ممتاز، دوامك قصير وما فيه ضغط، ليش تتعبي نفسك بالتفكير في الجدوى؟ سوي اللي عليك وخلاص.”

في لحظة صمت، أدركت أن هذا الحوار لا يقف هنا فقط، بل يلخّص السؤال الذي يرافق كل قرار مهني نتخذه: هل تكفي المنفعة وحدها، أم أن غياب الأثر يسلبها قيمتها؟


تعد المنفعة الجانب الملموس من أي عمل (راتبٌ ثابت، ساعات مريحة، امتيازات تحفظ الاستقرار)، وهي ما يجعل الإنسان قادرًا على تلبية احتياجاته الأساسية والكمالية ولأجلها يبقى كثيرون في وظائفهم سنوات طويلة، يسدّدون أقساط بيوتهم، يؤمّنون احتياجات أسرهم، ويحافظون على نمط حياة ومستوى مادي مستقر.

ولذلك، عند التفكير في أي قرار مهني—كقبول عرض جديد أو الانتقال إلى مؤسسة أخرى—تأتي المنفعة في المقدمة باعتبارها قاعدة الأمان والدافع الرئيسي.

لكن مع هذه القاعدة، يحتاج الإنسان أن يرى ما يُثبت أن حياته ليست مجرد تكرار يومي، وأن هذا الجهد لا يضيع سُدى، بل يترك بصمة .. فرد يتغيّر، مشروع ينجح، فكرة تُلهم، أو مؤسسة تتحسّن.

الأثر هو ما يجعل قرارًا مهنيًا يبدو صعبًا من الخارج (ضغط أكبر، مسؤوليات أكثر) لكنه مُرضٍ من الداخل لأنه يحقق معنى.


قدّم عالم النفس دونالد سوبر (Donald Super) ما يُعرف بـ نظرية القيم المهنية (Work Values Theory)، التي تفسر لماذا يختار الناس قرارات مختلفة في حياتهم المهنية، وبحسب هذه النظرية، يعتمد رضا الفرد على نوع القيم التي يضعها في المقدمة:

  • قيم جوهرية (Intrinsic Values): مثل الإحساس بالجدوى، النمو الشخصي، المساهمة في قضية أو خدمة الآخرين، أصحابها لا يكتفون بالراتب؛ إنما يبحثون عن معنى وأثر.
  • قيم خارجية (Extrinsic Values): مثل الأمان الوظيفي، الراتب، الامتيازات وأصحابها يرون المنفعة المباشرة كافية للاستمرار، حتى مع غياب الأثر.

من هنا، يمكن أن نرى أربعة أنماط في تعامل الناس مع العمل وقراراتهم المهنية:

  • الباحثون عن الروابط: يرون الأثر في علاقاتهم مع الآخرين. (في الدعم، التعاون، وبناء الثقة) أكثر من المكاسب المادية.
  • الباحثون عن المعنى: يقودهم المعنى، ولا يرضيهم إلا أن يروا أثرًا واضحًا.
  • الباحثون عن الاستقرار: تكفيهم المنفعة المباشرة مثل الراتب والأمان، ويعتبرونها الأولوية العليا.
  • الباحثون عن الإنجاز: يحتاجون مزيجًا من الإنجاز الملموس مع الاعتراف والتقدير.

عندما يغيب أحدهما …

  • إذا غابت المنفعة وبقي الأثر يعيش الفرد شغفًا ومعنى، لكنه يُستنزف ماديًا وقد لا يصمد طويلًا.
  • إذا غاب الأثر وبقيت المنفعة يعيش الفرد استقرارًا ماديًا، لكنه يواجه فراغًا داخليًا ومللًا متكررًا.
  • وإذا اجتمعا يتحقق التوازن النادر، حيث يعيش الإنسان استقرارًا ماديًا ومعنويًا في آن واحد.

وهنا يتضح أن القرار المهني السليم لا يقوم على عامل واحد، بل على معرفة أي قيمة تحركك أكثر، وكيف تحقق التوازن بين الاثنين، فالمنفعة تحفظ بقاءنا المادي، والأثر يحفظ بقاءنا المعنوي.

وأي قرار مهني—قبول عرض جديد، تغيير مسار، أو حتى الاستمرار في وظيفة حالية—هو في جوهره انعكاس لهذه البوصلة الداخلية.

لذلك، السؤال الأعمق والذي يجب أن يحضر دائمًا هو .. أي القيم تحرّكني فعلًا؟ لأن وعي الإنسان بقيمه هو ما يحوّل قراراته المهنية من ردود أفعال عابرة إلى خيارات واعية ترسم مساره وتشكّل هويته المنسجمة.


نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

لا توجد آراء بشأن "المنفعة والمعنى"

  1. في الماضي كان دافعنا للعمل أن يكون لنا إنجاز مُرضي وفائدة يستفيدها المجتمع من عملنا، وفرصة لنتفيذ أفكارنا، أما العائد المادي فهو ناتج جانبي، اﻵن بت أتعجب من يهتم بالعائد المادي قبل أن يعرف ما ذا سوف يقدم للمجتمع، أعتقد أن هذا التغيير في التفكير مرتبط بجيل جديد تأثر برأسمالية الغرب

    إعجاب

اترك رداً على أبو إياس إلغاء الرد