العافية محور الحياة

تشافيت والحمدلله من حُمى قوية تناولت فيها ـ بلا أي مبالغة ـ عددًا من المسكنات أكثر مما أخذته في سنوات عمري السابقة كلها! حرارة ترتفع كل ساعتين بشكل غير طبيعي يشعر بها من يمر بجانبي وكأني موقد مشتعل، صداع مستمر يتركز في الجانب الأيمن من رأسي ويشد أعصاب عيني، آلام في العظام والحلق مع رغبة بالبقاء في السرير وتركيز يكاد أن يكون صفرًا، ومع كل هذا متطلبات العمل من كل جانب ولا مجال للراحة، وإن كانت فستكون راحة يوم أو يومين يتراكم فيها العمل ولن تكفي لأتشافى بشكل كامل. أذكر أني ذهبت للطبيب وفي قرارة نفسي أريد أن أتشافى لأستطيع مزاولة عملي! ولكني تفاجئت رغم المحلول الوريدي لم يتغير أي شيء وبقيت الحرارة مرتفعة ولم يكن الأمر مجرد يوم وليلة!

في الأسبوع الأول كنت أقاوم تحت تأثير المسكّنات والأدوية التي صرفها لي الطبيب، وفي الأسبوع الثاني بقيت أقاوم آثار التعب وأحاول استعادة عافيتي وإكمال الأدوية! وخلال هذه الأوقات كنت أراجع معانٍ امتلئت بها نفسي.

هذه أنا منذ صغري لم أكن أتغيّب عن المدرسة حتى لو كنت مريضة، أقاوم دائمًا واعتدت أن لا أعامل المرض كعذر يعفيني تمامًا، بل أقوم بواجبي على قدر استطاعتي. اعتدت رؤية والدي كذلك على هذا المبدأ، كان يتعب إن توقف عن العمل وفي أيام الإجازات، ولا يتخذ المرض عذرًا إلا للشديد جدًا، تشربت هذه المبادئ طيلة حياتي وكفرت بها الأسبوع الماضي.

اليوم أؤمن أن العافية قبل أي شيء وإن لم تقف بإرادتك سيوقفك المرض رغمًا عنك. بعد الحمى الأخيرة تعلّمت أن أحترم الإجازة وأن لا أحرق نفسي بالعمل، وأن لا يغدو محور حياتي الذي أدور حوله، عرفت أن الشعور بالمسؤولية جيد ولكن المبالغة بها استهتار بجوانب أخرى!

تعلّمت أن الرغبة في القوة أكثر من اللازم يودي بك للضعف، وأن تحملك فوق طاقتك لا يجعل منك قويًا بل يجعلك تحاول فيما ليس لك ومنك وبالتالي تفقد بريقك، وإن لم ترحم نفسك وتقدّرها فلن يقدرها ويرأف بها أحد.
هذه الحمى كانت بمثابة التوقف عن الركض وإعادة التفكير في عدد من الأمور، وقتها قلت “لا” للكثير من الأشياء، وغيّرت من طريقة تعاملي مع بعضها، اخترت نفسي وعافيتي على الرغبة في الجري وراء وجهة غير واضحة وليست أكيدة الوجود!

يدرك ما أقوله جيدًا المجتهدين على وجه الأرض، الذين يملكون طموحًا يريدون أن يغيروا به شكل حياتهم والعالم! العمل عافية والفراغ مرض ولكن يصبح العمل كالفراغ إن لم تحسن تحجيمه.

إحداث التوازن صعب وليس بالأمر السهل، لذلك عليك أن تختار أولوياتك، وأن تناقشها مع المنظومة الأسرية ككل ومن يهمه الأمر، فالتوازن لا يمكن أن يكون فرديًا، إنه عمل جماعي يشترك به كل من حولك.
اليوم أنا اختار بريق روحي ولمعة عيني وسلام نفسي على أي شيء آخر، وما لا يأتِ بوجودها فلا مرحبًا به.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

لا توجد آراء بشأن "العافية محور الحياة"

  1. سلامتك… الراحة للجسم ضرورية وحق ، حتى أن بعض الأمراض لا فائدة لتناول الأدوية بدون راحة، بدون صحة وعافية لا طعم للحياة. وخير كلام “اللهمَّ إنّا نسألك المُعافاة في الدنيا والآخرة”.

    إعجاب

اترك رداً على anis إلغاء الرد