التجارب الثانية

من الصعب على الشخص أن يتصالح مع فكرة أنه قد لا ينجح من المرة الأولى، وإن لم يضع الفكرة في الحسبان وواجهها واقعًا في الحياة فإن التجربة الثانية غالبًا ستكون أصعب من التجربة الأولى.

الصعوبات معروفة جدًا في كونه قد ذاق مرارة الفشل، والخبرات السابقة تلوح أمام ناظريه، لذلك دائمًا أقول أن البدء يحتاج لقوة بينما البدء من جديد يحتاج لشجاعة. ليس هذا أساس الحديث ولكن يمكنك الرجوع لهذه الحلقة من بودكاست كلام عفوي

صُلب الموضوع هنا يكمن في أن هناك تجارب ثانية لا تحتاج لعناءِ مغالبة الخوف من الفشل أو الرفض، بل هي تجارب عادية جدًا ومن طبيعة الحياة، كأن تنتقل مثلًا من منزل لمنزل آخر، وفي كل تجربة انتقال ستجد أن معايير اختيارك للمنزل قد اختلفت، إما بمعايشة مشكلة لم تكن منتبهًا لها أو وجود ميزة أعجبتك كانت محض صدفة! ( مثلًا حين كنت أبحث مع عائلتي عن منزل جديد مناسب كنّا نهتم بمساحة الشقة وعدد الغرف وموقعها، وبمجرد أن وجدنا هذه المعايير وانتقلنا، ظهر لدي معيار آخر لم يكن في حساباتي، وهو أن تكون الشقة مطلّة على الواجهة الشرقية والشمالية ولا تحيط بها مبانٍ أعلى منها، قد يبدو لك أنه معيار صعب ، أبدًا ليس كذلك فالأمر توفر دون أي تخطيط مني، وصرت أستمتع بمراقبة الشروق وطلوع القمر ونسمات الهواء من الشمال )

عُد لملاحظة تجاربك السابقة، وربما تكتشف كيف تطوّرت معاييرك مرة بعد مرة، فمن الطبيعي جدًا أن ترتفع معاييرك بناءً على المعطيات وترتيبها في الأولويات، فضلًا عن أنها ستختلف عن معايير الآخرين، قس على ذلك أمورًا كثيرة كمعايير اختيارك للأشخاص من شركاء وأصدقاء، فمع مخالطة الناس وتجربتهم ستجد أن المواقف توليك حكمة وتطوّر من معاييرك بشكل ملحوظ وتُعطيك وضوحًا أكبر لما تقبله وما لا تقبله البتة. وقد يحدث أن تتنازل وتعيد الترتيب وتغيّر في شيء مقابل شيء، لأن المعايير ليست كالمبادئ.

إن تقييم الأشخاص ونوعية معاييرهم يختلف بناء على ما عايشه كلًا منهم من تجارب وخبرات ووفقًا لواقعهم، ومدى اشباع الاحتياجات الأساسية، فلا تتوقع أن تتطور المعايير لشخص لم تُلبى حاجاته كإنسان، لم يملك أبسط مقومات حياتك، وبديهياتك أنت أحلام صعبة عنده.

ما أود قوله هنا لشخص قد أنعم الله عليه بحياة رائعة .. هو أن تُرحّب بالتجربة التالية، لتطوّر من معاييرك، فأحيانًا لا يمكنك معرفة ما يناسبك بالضبط إلا من خلال التعثر بتجارب عدّة تجعلك تكتشف خلاصة ما تريد، يشبه الأمر تجارب قياس قطع الملابس المختلفة في السوق، أنت لا تعرف أيها ستلائمك وإن كانت ستنسجم مع القطعة الأخرى أو لا ولكن كل قطعة تقيسها هي تجربة مختلفة بحد ذاتها تكوّن لديك صورة عمّا تريد! وكذلك الحياة مع الأخذ بعين الاعتبار أن تكون الملاحظة والتحليل حاضرة في الموقف بذكاء، لتفهم نفسك تمامًا وما الذي تريده تحديدًا وبالتالي تحسن من جودة حياتك وحياة الآخرين.

افتح ذراعيك للتجارب وارتمي في حضن الحياة، رحّب بالإحتمالات واختر منها ما يليق بك! كن شجاعًا!

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

رأيان على “التجارب الثانية

اترك رداً على lamyaaoba إلغاء الرد