يتمنى الناس حرية الإختيار في أغلب شؤون حياتهم الدراسية والمهنية والإجتماعية، ويتحدثون دائمًا عن الضغط الواقع عليهم من المجتمع والأفكار المهيمنة وغيرها.
وحين تتاح لهم حرية الإختيار الكامل يقفون مترددين، وأحيانًا يحجمون عن الإختيار بالكلية ليسلكوا طريقًا مفروضًا عليهم ومرسومًا من قبل، بغض النظر إن كان مناسبًا لهم ووفق رغبتهم أو لا!
لا أحد منّا لم يمر بذلك ولو في شأن واحد من شؤون حياته، يقلق ويفكر كثيرًا ويقارن بين ما يتمناه وبين ما يظنه فُرِض واقعًا على الرغم أن قليل من الرفض للفكرة أو تنفيذها سيمحو ما يعتقده الجميع بمثابة الفرض، إلا أنه الخوف!
تخيل أن تسلك طريقًا غير الذي سلكه زملاؤك في الدراسة، واخترت مثلًا أن تؤجل التحاقك بالجامعة، أو فكّرت بأنك تريد أن تلتحق بمعهد أو أن تجمع خبرة في مجال ما بطريقتك الخاصة التي اخترتها أنت! وقس على باقي شؤونك. كم من الإختيارات اخترناها لأن هذا هو فقط ما كان يجري أمامنا وليست هي ما نرغبه بالضبط؟ كم مرة قيل لك “اللي تعرفه أحسن من اللي ماتعرفه” وقد يكون في كثير مما لا تعرفه الخير والنفع لك!
غالبًا سيخوّفك المحيطين بك محاولين أن يثنونك عن هذا الإختيار، وربما سيقولون لك عليك أن تتحمل تبعات اختيارك، وهنا يكون الفارق !حيث سيستجيب الكثيرون لهذه المخاوف التي قد تبدو منطقية ويترجمها العقل بقرار الرفض فقط، ولكن فهمها سيجعل الأمر مختلف، هنا بعض الأسباب التي تمنع الناس من الإختيار وفق رغباتهم :
- العقل غالبًا لا يحب المجهول، ويفضّل أن تبدو الأمور واضحة، فبالتالي يحجم عن الإقدام نحو أي قرار لم يرَ أدلة كافية على صحته، ويحتاج لضغط أكبر للإنطلاق نحو ما يراه مجازفة. عقلك يبحث عن الأمان دائمًا والأمان فقط بغض النظر عن الأفضل، فهو ليس صديقك بكل الأحوال.
- عدم وجود خبرة أو أشخاص تعرفهم ومن نفس محيطك قد خاضوا التجربة يجعلك تتشكك في نجاحها، كأن تفكر مثلًا بأن هذا لو كان مجديًا لفكّر فيه أحد من قبلي، فضلًا عن ماذا لو وقعت في مأزق ولا يوجد شخص خبير يفيدني!
- حين لا نختارخيارات كاملة، فإن اللوم يخف في حالات الإخفاق، بينما حينما تختار أنت بمفردك وترسم طريقك الخاص ثم تخفق فالجميع سينظر لك بنظرة اللوم الكامل دون رحمة وغالبًا حتى أنت لن ترحم نفسك. وهذا يحدث على نطاق اجتماعي أيضًا عند اختيار شريك الحياة مثلًا بكامل قرارك واختيارك، أو أن يُختار لك مخففًا على نفسك عبء الإخفاق لا سمح الله.
- الإختيارات التي سلكوها جميع الناس غالبًا تعد ضمن دائرة الإرتياح الخاصة بنا، ولكن على مستوى جماعي وليس فردي، لذلك فالخروج عنها ليس سهلًا على الجميع.
لماذا أشرح هذ الأمر باسهاب وفي تدوينة كاملة؟ هل لأقنعك بأن تأخذ خياراتك الخاصة وتضرب بكل شيء عرض الحائط؟
لا طبعًا، بل لنعرف جميعًا كيف هي طريقة تفكير عقولنا وما هي بواعث النفس الإنسانية، وكيف يحكمنا الخوف ويمنعنا في كثير من الأحيان بأن نعيش قصصنا الحقيقية، ونكتفي بقصص مستنسخة من حياة آخرين.
لا أريدك هنا أن تجازف بلا تعقل، ولكن زِن الأمور بعقلك واعطِ نفسك مساحات من الإنطلاق واتساع الأفق، وامنح نفسك الفرصة لتعيش حياة جديرة بأن تُكتب وتُحكى، وتذكر أن الخوف غريزة طبيعية بينما الضعف أسلوب! وغالبًا ما تخاف منه هو أقل مما يستحق الخوف.
تتطلب الحياة الإستثنائية القدر الكبير من الشجاعة، والقدرة الكافية للإختيار بلا تردد، فإن كنت تبحث عنها فيجب أن تراجع كل يوم اختياراتك لترى الأمور بمنظور آخر، أما الحياة العادية فهي أسهل بكثير، والأمر يعتمد على ماذا تريد!

رائع جدا ً
إعجابإعجاب