إن كان التركيز بالأمس على فكرة التخصص الدقيق جدًا وعدم التشتت، فاليوم اختلفت الفكرة تمامًا ليكن التركيز على كيفية التحول لأخطبوط لديه عدة أذرع، تمثل هذه الأذرع المهارات التي تمتلكها، لم يعد بمقدورك الآن أن تسلّم بتخصص واحد بل عليك أن تضفي لمستك الخاصة على تخصصك وتخترعه اختراعًا.
هناك فرق بين المحاسب والمحاسب القانوني والمحاسب القانوني للشركات الناشئة، جميعهم درسوا تخصص المحاسبة ولكن الأخير صنع لنفسه توصيفًا خاصًا بإضافة بعض الشهادات له أو الخبرات الخاصة. قبل وقت لم يكن بعيدًا كان التوصيف الوظيفي يُملى علينا كقوالب محددة وعلينا أن نختار ما بين المهندس والمعلم والطبيب ……. أما الآن فالخيارات أصبحت أكثر وأنت من يخترع توصيفه الخاص بناء على ما تمتلك من مهارات أو أذرع كما وصفناها سابقًا. مازال العمل بهذه الطريقة موجود حتى الآن ولكن لا أظنه سيصمد طويلًا، لأننا أمام متغيرات سريعة وعليك أن تواكبها حالًا.
لم يعد بوسعك ألا يكون لديك مهارات محددة تجعلك تمتلك الأذرع المهنية والتي تؤهلك لأن تشغل عدة وظائف وأعمال، من هذه المهارات :
- المهارات التحليلية : وتشمل التفكير النقدي وتحليل الأمور للوصول إلى روابط ذات علاقات صحيحة وحلول منهجية ودقة الملاحظة.
- المهارات الاجتماعية : وإن كان يظن البعض بأن أساليب العمل تغيرت ولم يصبح المرء في بيئة اجتماعية بحتة، وغالب الأمر أنه يقبع خلف الشاشات إلا أن الذكاء الإجتماعي واقناع الآخرين ضروري جدًا، فضلًا عن المهارات الإجتماعية الجديدة للتعامل مع وسائل التواصل الإجتماعي.
- المهارات التقنية : ولتسارع التقنية يجب تحديث معلوماتك أولًا بأول وتخصيص وقت للتعلم والبحث في أهم المهارات المطلوبة وإلا وجدت نفسك في قادم الأيام لا تستطيع التعامل مع الحياة إلا من خلال الآخرين وهذا سيعيق سرعة حركتك.
حتى الآن هذا الكلام عام، ما الرسالة الخاصة التي أريد توجيهها ؟
أريد أن أخبرك عن مبدأ “بيتر دراكر” الخبير الإداري في مجلة Harvard Business Review والذي يقول فيه : ” إن السلم لم يعد موجودًا ولا يبدو أن أحدًا سيصنع سلما من الحبال بدلًا منه. الأمر يشبه الأشجار، وكل شخص يحضر أدوات التسلق الخاصة به. علينا أن نتوقف عن التفكير في الوظائف أو المسارات الوظيفية بالطريقة القديمة، ونبدأ بالتفكير أولًا بأول، مهمة بعد الأخرى”
عليك أن تنظر لأدوات التسلق التي تمتلكها، إذا كنت تمتلك القدرة على الكتابة والتحليل والملاحظة الدقيقة فطور نفسك في الكتابة التسويقية مثلًا، إذا كنت متحدث جيد اهتم بتطوير مهارات البيع وغيرها من المهارات التي يمكنك فيها توظيف قدرتك على الحديث، إذا كنت تمتلك صوتًا جيدًا فلا تتجاهله وقدّم عروضك للتعليق الصوتي للشركات، إذا كانت لديك مهارات التصميم والمونتاج انطلق لا تتوقف، وإن لم تكن لديك ابحث في قدراتك لترى ما الذي يناسبك فالخيارات كثيرة جدًا ولا محدودة.
المشكلة تكمن في التفكير بعقلية الأمس وفي عدم الإيمان بالقدرات الموجودة، غالبية الأشخاص تريد أن تسلك الطريق المعبد ظنًا منهم أنه آمن، ولكن كما يقول دوجلاس ماك آرثر : ” لا يوجد ما يسمى أمنًا على هذه الأرض، توجد فرص فقط “
لا مانع أن تكون الوظيفة هي هاجسك، أتفهم جيدًا المسؤوليات والأعباء المادية التي يحملها كل شخص ليعيش حياة كريمة، ولكن فكر أيضًا كيف تطوّر نفسك وكيف تستطيع انتاج المال من قدراتك وملكاتك الخاصة، أو ما الذي يمكنك تعلمه لتحقق مصدر دخل اضافي جانب وظيفتك، هذه الفكرة تستحق منك التفرغ لها عدة أيام، انتبه أن تتجاهلها لأنك إن فعلت فستكون في مأزق، ولا ينبغي أن تنتظره لتفكر كيف تتصرف !
إذا كنت في العشرينات من عمرك أو لم تبلغها بعد فاستثمر الوقت في تجربة فرص عديدة لاكتشاف ذاتك ومهاراتك من خلال التطوع والإنضمام للدورات التدريبية واجراء الاختبارات ومقاييس الشخصية والجدارات، ابدأ مبكرًا وكلما كنت أصغر كان ذلك أفضل وستجد داعمين لك. إن كنت في الثلاثينات من العمر لا تظن أنه لا يمكنك اللحاق بالركب، يمكنك ذلك ولكن يتطلب منك جهدًا أكبر ومثابرة أكثر وذلك لأنك قد تتحمل الآن مسؤوليات متعددة إلا أنك تمتلك الخبرة التي لا يمتلكها من هم أصغر منك.
الرسالة هنا .. كن منفتحًا دائمًا على الفرص الجديدة للتعلم وتوظيف المهارات ما استطعت، كن مستقلًا ولو بجزء بسيط، قُد مشروعك الخاص وآمن بقدرتك على النمو…. وزد عدد أذرعك فالحياة تغيرت منذ زمن ولكن البعض للتو أدرك ذلك.


كلام جميل جدا ويلامس الواقع كعادتك استاذه خلود
إعجابإعجاب