لماذا لا يملك والدك خطة مكتوبة ؟

لماذا لا يملك الآباء خططًا مكتوبة ؟ لماذا لم يرد إلى أذهانهم مفهوم الشغف ؟ لماذا لا يملكون رسالة ورؤية لحياتهم ؟ وما السبب الذي يجعلنا كأفراد نعيش بمصطلحات لم تكن موجودة سابقًا فضلًا عن الشعور بتضخيم أهميتها ؟

خطة ، شغف ، رسالة ، رؤية ، أهداف قصيرة المدى وبعيدة المدى …. لم يعرف آباءنا ولا أجدادنا مصطلحات كهذه رغم انجازهم وبنائهم وتفوقهم، إلا أننا نعيش بهذه المصطلحات مع حيرة أكبر مقارنة بمن سبقونا وكأن القاعدة طردية بين انتشار هذه المفاهيم والشعور بالحيرة.

ألم يتوارد إلى ذهنك أسئلة كهذه يومًا ما ؟ ألم تنشأ لديك الحيرة بخصوص رؤيتك ؟ أو ما هو شغفك ؟ أو كيف تضع خطتك ؟

الأمر وارد جدًا ، وبالذات إذا بلغت مرحلة الحيرة في كيفية تنفيذ ما يقوله المدربين أو المكتوب بكتب التنمية البشرية والإدارة ، وربما توصلت لقرار يقول لا داعي لكل هذا وهو مجرد هراء لا ضرورة منه.

ما الذي يستدعي لنفكر بطريقة أكثر تنظيم ( إن صح التعبير ) ؟

الأمر ببساطة أن طبيعة الحياة التي نعيشها الآن مبنية على الكثير من المشتتات التي تريد أن تنتزعك من بؤرة تركيزك، الكل ينافس على أن يحوز على انتباهك ( منصات السوشال ميديا ، الحياة العامة ومتطلباتها ، سهولة التواصل والحصول على المعلومات ، تعدد الخيارات وانفتاحها، المنتجات ، رغباتك ، أقرانك ……………. ) والكثير الكثير مما لا يمكن حصره ربما.

بينما في مقارنة سابقة بحياة الآباء ، تبدو الحياة أكثر هدوءًا ونمطية ووضوح ، خيارات محدودة جدًا، نمط حياة يكاد يتشابه لدى الجميع، محدودية الأشياء التي تريد انتزاع تركيزك، بيئة محدودة وكل المقومات التي تجعل من الهدوء أمرًا طبيعيًا.

هذه المحدودية تجعل من الحياة نمطًا واضحًا لدى الغالبية، أنت هنا لتوجد مصدر دخلك، لتؤمن حياة كريمة لأفراد أسرتك، لتعمل صباحًا ثم تقضي وقتك مع أسرتك مساءًا أو بين هواياتك البسيطة أو مع أصدقائك.

حياة هادئة واضحة بعيدة عن التعقيد ، الآن جرّب أن تعيش بنفس هذه الطريقة لأشهر ، ستجد أنك تتراجع للوراء لأنك لن تستطيع مع هذا الكم الهائل من المعلومات التي يتلقفها ذهنك والقفزات السريعة أن تبقى حول ما يثريك ويضيف لك.

لم يكن الأفراد سابقًا يفكرون بهذه الطريقة ، هذه الطريقة هي خاصة بالمؤسسات والمنظمات ولكن شيئاً فشيئًا بدأت تنتقل للأفراد وأصبح لزاماً على الفرد أن يفكر بنفس الطريقة وهذا يشكل ضغطًا كبيراً عليه.

ولكن دعني أعرض الموضوع من زاوية أخرى، بلا خطة ستنسحب تدريجيًا نحو فضاء اللاجدوى ، وستغرق فيما لا تريد الغرق به من اعلانات ومتابعات واهتمامات لا تشبهك وهذا فعليًا ماسيحصل.

رسم الخطة وتحديد الشغف ووضع الرسالة والرؤية ورسم سلم القيم هي بمثابة بوصلة تحدد بها الإتجاه لكي لا تضيع في زخم الحياة هذا، في الطبيعة التي نعيشها حاليًا ، فيما صنعناه بأيدينا وفي نفس الوقت لا يد لنا فيه غير أنّا وجدنا في هذا الوقت.

لم يعد الوقت مناسبًا لأن تفكر في جدوى وضع خطة ، أو جدوى معرفة شغفك ، المناسب فعليًا أن تحاول وضع الخطة وإن لم تستقم معك الأمور على الأقل ستحافظ على تركيزك ولو بنسبة لا تزيد عن ٥٠٪ ، المهم أن تمسك بجهاز التحكم بيدك دون أن تقودك طبيعة الحياة نحو المجهول.

أعرف جيدً أن الأمر ليس بالسهل مطلقًا في فضاء يكتظ بالنصائح الخاصة بالتخطيط وضرورة كتابة الرؤية والرسالة واكتشاف القيم، وبين طرق متعددة ولا أحد حتى الآن بسط الموضوع بالشكل الكافي، ولكني أعلم علم اليقين بأنك تستطيع أن تبني مسارك الخاص وطريقتك الخاصة بقليل من التركيز، والجميل أن القاعدة هنا تنص على أنه لا يوجد قاعدة، فقط انتبه وركز.

هل الحياة أصبحت معقدة ؟ نعم

هل يجب أن نكون نحن معقدين ؟ لا

كمدربة تطويرومرشدة يجب عليّ اخبارك بأن مهمتنا أن نبسط الأمور مهما تعقدت وهنا تظهر الإحترافية ، بأن أجعل الأمر يبدو بسيطًا جدًا على أي شخص يرغب بتطبيقه ويطلب المساعدة فيه، فلا مجال لأن نشكك في ضرورة التفكير الآن بهذه المنهجية.

ربما مازال السؤال مُلّحًا .. هل يمكنك أن تنجح بدون اتباع هذه المنهجية ؟ وارد جدًا ولكن سيكون الإستمرار والمنافسة صعب جدًا.

أول خطة لن تكون جيدة ولكن مع الإستمرار ستجد أنك تخطط بإحترافية عالية ، أول تجربة لن تجد نفسك فيها ولكن مع الإستمرار ستجد تجارب أخرى تشبهك ، أول رؤية قد لا تستطيع رسم أهداف للوصول لها ولكن مع الإستمرار والتعديل ستجد رؤى أكثر مناسبة لك وقس على ذلك.

أخيرًا ..

إبدأ بالتخطيط لكيفية قضاء ساعة واحدة وتدرج في ذلك إلى أن تصل لخطة يوم ثم أسبوع ثم شهر ثم ٩٠ يوم.

خطط كيفما اتفق معك ولا تلتزم بأي قاعدة، وجد التخطيط في الحياة لنتمكن من التنفيذ والإنتاجية.

خطط لنجاحاتك بمتعة دون أن تشعر بعبء المهمة وضغطها عليك.

اقضي وقتًا تتأمل فيه غاياتك ودوافعك واسأل الله أن يلهمك الرشد دومًا.

استمتع بكتابة ملاحظاتك عن ذاتك ويومياتك فسوف تخبرك عن نفسك الكثير وتحديدًا عن قيمك.

لماذا لم يفعل والدك كل هذا ؟ ببساطة لأن طبيعة الحياة لم تكن تستدعي كل هذا.

——————

ملاحظة : غالبًا والدك لم يكتب أي خطة إن كان تجاوز الستين عامًا الآن ولكن ستجد لديه أوراق وتقارير وقوائم دخل ويدير الأمور باحترافية أفضل من أي شخص آخر. (جزى الله الآباء عنّا خير الجزاء)

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

رأيان على “لماذا لا يملك والدك خطة مكتوبة ؟

اترك رداً على حمده إلغاء الرد