هل سبق لك أن وجدت نفسك في موقف اجتماعي يفيض بالدفء والعاطفة وشعرت بتوتر خفي يتسلل إليك وأن الجو العام يفوق قدرتك على الاستيعاب ولديك رغبة كبيرة في الانسحاب أو الانكماش داخل نفسك؟ ربما حدث في تجمع أصدقاء يغرقون في فيض من المودة تجاه بعضهم، أو في بيئة عمل تضج بثناء متبادل لا ينقطع، أو حتى في فصل دراسي تتلاحق فيه عبارات الإطراء المبالغ فيها بين المعلم وطلابه. الجميع يبدو سعيداً ومندمجاً، بينما أنت تشعر بثقل غير مبرر، وبضغط حسي يجعلك تتوق للانسحاب إلى مساحة أكثر هدوءاً. هذا الشعور ليس جفاءً أو برودًا، بل هو استجابة إنسانية عميقة ومعقدة لها تفسيراتها العلمية والنفسية التي تستحق التأمل.
لماذا يحدث كل هذا؟ ولماذا يجد البعض صعوبة في الانغماس الكامل في بحر المشاعر الإيجابية التي يتقبلها الآخرون بسلاسة؟
اسمح لي أن أخذك في جولة داخل نفسك ..
حين نلتقط المشاعر دون إذن
تخيل أن المشاعر كالفيروسات، تنتقل من شخص لآخر دون وعي منا. هذا ما يُعرف بالعدوى العاطفية (Emotional Contagion). في بيئة يغمرها الدفء المفرط والثناء المبالغ فيه، يعمل دماغك كلاقط حساس يمتص هذه المشاعر. ليست مشاعرك أنت من الأساس، لكنك تلتقطها وتتأثر بها. وجود الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons) في أدمغتنا يجعلنا نحاكي تعابير ومشاعر من حولنا تلقائياً. هذا الامتصاص القسري لفيض من المشاعر، حتى لو كانت إيجابية قد يولّد ضغطاً عصبياً، لأن جهازك العصبي يعمل بجهد لمعالجة طاقة عاطفية لم تنبع منه، مما يؤدي إلى شعور بالتوتر والإرهاق العاطفي.
عندما يصبح الكثير مرهقاً
لكل منا طاقة اجتماعية. عندما تتجاوز كثافة التفاعلات الاجتماعية والتعبيرات العاطفية هذه السعة، ندخل في حالة تسمى الإغراق الاجتماعي (Social Overstimulation). هذا المفهوم يرتبط بنظريات مثل نظرية الحمل المعرفي والاستثارة المثلى. الجو الاجتماعي ليس سيئًا، بل إنه أكثر مما يحتاجه جهازنا النفسي في تلك اللحظة. فكر في الأمر كتعرضك لضوء ساطع جداً بعد اعتيادك على الإضاءة الخافتة؛ الضوء ليس سيئاً، لكن شدته قد تكون مؤذية لعين غير معتادة. التوتر هنا هو إشارة من الدماغ بأنه يحتاج إلى تقليل المدخلات وإلى مساحة هادئة لاستعادة توازنه النفسي.
عالم من التفاصيل المكثفة
هناك أفراد يمتلكون سمة شخصية تُعرف بحساسية المعالجة الحسية (Sensory Processing Sensitivity – SPS)، وهو مصطلح صاغته الدكتورة إيلين آرون في التسعينيات لوصف الشخصية شديدة الحساسية (Highly Sensitive Person – HSP). هؤلاء الأشخاص لديهم قدرة عالية على التقاط ومعالجة التفاصيل الدقيقة في بيئتهم مثل نبرة الصوت، الطاقة، الإيماءات، وما بين الكلمات. بالنسبة لهم، التجربة ليست عادية، بل مكثفة. دماغهم يقوم بمعالجة عميقة ومفصلة لكل مؤثر، وهذا التحليل الفائق يستهلك طاقة ذهنية وعصبية هائلة، مما يؤدي سريعاً إلى شعورهم بالإنهاك أو التوتر، حتى في المواقف التي تبدو إيجابية للآخرين.
صراع التوقعات والواقع
يحدث التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) عندما يكون هناك تعارض بين ما نتوقعه أو نؤمن به وما نختبره في الواقع. إذا كان لديك نموذج ذهني معين لكيفية سير التفاعلات الاجتماعية مثل تفضيل الرسمية أو الاحتفاظ بالمسافة في قاعة الدرس، ثم وجدت نفسك في بيئة تفيض بالمودة العاطفية، فإن هذا التصادم بين توقعاتك والواقع يولد حالة من عدم الارتياح النفسي. يحاول الدماغ جاهداً التوفيق بين هذه التناقضات، مما يسبب توتراً داخلياً.
ضغط الرد بالمثل
في التفاعلات الاجتماعية غالباً ما يكون هناك توقع ضمني بالتبادلية (Reciprocity) أي رد المشاعر أو الأفعال بمثلها. عندما يمنحك الآخرون فيضاً من المودة قد تشعر بضغط غير واعٍ لرده بنفس المستوى. إذا كنت تميل إلى الاحتفاظ بالمسافة أو التعبير الهادئ، فإن هذا الضغط يولد توتراً، خوفاً من الظهور بمظهر البارد أو غير المهذب، أو ببساطة لأنك لا ترغب أو لا تستطيع مجاراة هذا المستوى من التعبير العاطفي.
قيمة التواصل الثنائي
بعض الأفراد يجدون راحتهم وصدقهم في التواصل الثنائي (Dyadic Communication)، حيث يكون التعبير عن المشاعر أكثر صدقاً وأماناً وأقل استعراضاً. بالنسبة لهؤلاء المشاعر هي عملة ثمينة لا تُصرف أمام الجميع، ويفضلون الاحتفاظ بكلماتهم للحظة هادئة أو لقاء منفرد، حيث يكون للكلمة وزنها الحقيقي. هذا النمط يعكس حاجة عميقة للخصوصية حيث يُنظر إلى التعبير الجماعي المكثف على أنه استنزاف للطاقة بدلاً من كونه مصدراً لها.
ما تمر به ليس سيئًا إنما شهادة على تعقيد جهازك العصبي وثراء نمطك الشخصي. كما يعكس جهازاً نفسياً يقدّر المهنية، يبحث عن العمق في التواصل، ويحتاج إلى مساحة خاصة لمعالجة العالم من حوله. هذا التوتر هو دعوة لفهم أن ميلك إلى الهدوء والاحتفاظ بالمسافة يعد نسقًا مختلفًا وليس رفضاً للآخر.
إنه تأكيد على أن لكل منا إيقاعه الخاص في الحياة، وأن فهم هذه الإيقاعات واحترامها هو جوهر العلاقات السليمة. ففي النهاية، لا يقل اللاقط الهادئ أهمية عن المصدر المستفيض في إثراء نسيج التجربة البشرية، وربما يكون هدوؤك هو بالضبط ما يحتاجه العالم أحياناً.
