التخلّص من وهم الكفاءة المطلقة

لابد أن تقف لتقدّم ورشة أو عرضًا تقديميًا أو مقترح وهذا يعد جزءاً لا  ينفصل عن البيئة الدراسية أو المهنية ، حيث يمثل وسيلة فعالة لتبادل المعرفة وعرض الأفكار، وتحفيز النقاش. يظهر تحدٍ فريد عندما يتواجد في الجمهور خبراء وممارسين في نفس المجال وهنا لا يقتصر الأمر على مجرد نقل المعلومات، بل يتعداه إلى إظهار الكفاءة، والتواصل مع عقول تمتلك بالفعل فهماً عميقاً للموضوع.

هذا الموقف يثير مجموعة معقدة من المشاعر بين خوف وشك وقلق وتوتر، ويتطلب مستوى خاصاً من الشجاعة يتجاوز بكثير ما هو مطلوب في المواقف العادية. وأزعم أن هذا الموضوع لم يتطرق له أحد وإن حدث فهو قليل جدًا ولا بأس …

“وإني وإن كنت الأخير زمانه .. لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ” 🙂

أهدف في هذا المقال إلى تسليط الضوء على الطيف العاطفي الذي يمر به المقدّم، إضافة إلى تقديم إرشادات عملية للتقديم أمام الخبراء والهدف منها بناء الشجاعة اللازمة لمواجهة هذا التحدي الذي قد يبدو للبعض عاديًا وسهلًا إلا أنه للغالبية ليس كذلك.

أشارك في البداية 5 دروس من خلال تحليل تجارِبي

الدرس الأول: الخوف بوصلة توجهك نحو النمو.

تُظهر نظرية يركيس-دودسون (1908) أن الأداء يرتفع مع ازدياد التوتر حتى نقطة معينة، بعدها يبدأ الانحدار، لكن عندما يكون الجمهور من الخبراء أو يتواجدون وسطهم، فإن التوتر لا يرتبط بالخوف من الفشل بقدر ما يرتبط بتهديد الهوية المعرفية (Epistemic Identity Threat) أي الشعور بأن قيمتك الفكرية على المحك أمام الجمهور، وهذا التهديد إذا أُدير بوعي يمكن أن يتحول إلى محرك إبداعي، فكلما اقتربنا من حافة القلق اتسعت طاقتنا على التركيز والتجديد، شرط ألا نسقط في فخ الدفاعية.

الخوف ليس مؤشراً على ضعفك، بل على أنك أمام فرصةٍ لإعادة تشكيل ذاتك المهنية.

الدرس الثاني: الثقة ليست غياب الشك، بل التصرف رغمه.

في عام 1978، وصفت كلانس وإيمز ظاهرة المحتال (Impostor Phenomenon) بوصفها تجربة يعيشها ذوو الأداء العالي حين لا يستطيعون استيعاب كفاءتهم.

عند التقديم أمام خبراء في المجال، يظهر هذا النمط بوضوح والسبب أن المقارنة معيار دائم الحضور كما أن المقدم يرى ذاته بعين نقدية تفوق ما يراه الجمهور.

من منظور النظرية المعرفية الاجتماعية لباندورا (1986)، هذه اللحظة ليست خللاً في الثقة إنما تضارب في الإدراك الذاتي (Self-Perception Conflict) بين صورة الداخل وصورة الخارج، وما يجعلها خطيرة هو أن المقدم يبدأ بـتصغير نفسه معرفيًا ليحمي ذاته عاطفيًا، لكن المفارقة أن الاعتراف بحدودنا المعرفية هو ما يعيد توازن الكفاءة، لا إنكارها.

الثقة لا تولد من إنكار الشك، بل من القدرة على الوقوف معه دون أن يشلّك.

الدرس الثالث: الضعف قوة خارقة حين تعترف بوجوده.

تُظهر نظرية الأصالة القيادية (Avolio & Gardner, 2005) أن القائد الذي يتحدث من موقع الصدق الذاتي يبني ما يسمى الثقة المعرفية (Epistemic Trust) أي استعداد الجمهور لتلقي المعرفة كحقيقة صادقة وليست مجرد بيانات.
وحين يواجه المقدم جمهورًا من الخبراء، فإن الضعف الصادق يصبح قيمة مضافة، والجميل أن الخبراء الحقيقيون يحترمون الشفافية أكثر من الادعاء، لأنهم يدركون أن عمق المعرفة لا يعني الإحاطة المطلقة.

الضعف ليس ثغرة في صورتك المهنية، بل دليل على نضجك المعرفي.

الدرس الرابع: التحضير ممارسة للتمكن

يظن البعض أن التحضير هو تكديس للمحتوى بينما في الواقع هو ترويض للذات أمام الموقف ووفقًا لنظرية الكفاءة الذاتية لباندورا (Self-Efficacy) ، تبنى الثقة من خلال التجارب المتراكمة للنجاح الجزئي.
فالتحضير إذن  هو طقس معرفي نفسي يعيد صياغة علاقة الفرد بقلقه، فحين تتدرّب أنت لا تحفظ المحتوى، بل تبني استقرارك الداخلي الذي يسمح للفكر أن يتدفق بحرية أمام العقول الأخرى.

 التحضير هو فن تحويل القلق إلى ذاكرة عضلية للثقة.

الدرس الخامس: إعادة تعريف النجاح ضرورة

العروض أمام أي خبير ستُفقدك وهم السيطرة الكاملة، لا يمكنك السيطرة على ما في القاعة بالكامل لكن يمكنك دعوتهم إلى التفكير معك.
من منظور نظرية النمو لكارول دويك (2006)، النجاح يكمن في قابلية التطور. حين تعيد تعريف نجاح عرضك التقديمي أو ورشتك بوصفه إثارة حوار لا إثبات كفاءة، يتحول العرض من أداء فردي إلى تجربة تعلم جماعية، وهو ما يسميه إدغار شاين القيادة المتواضعة أي أن تسأل لتتعلم لا لتُظهر العلم.

النجاح الحقيقي هو خلق بيئة يفكر فيها الجميع معك.

والسؤال المهم كيف يهيئ المقدّم نفسه لتجربة التقديم أمام الخبراء، إليك نموذج عملي مكوّن من ثلاث مراحل:

قبل التقديم

المرحلة التي يُبنى فيها الحضور الذهني والثقة العاطفية قبل أن تبدأ الكلمة الأولى وينصح في هذه الخطوة بأن تبدأ بفهم طبيعة الخبراء الذين أمامك:

البُعدالأسئلةما تبحث عنه
المستوى المعرفيما تخصصاتهم الدقيقة؟ هل بينهم أكاديميون أم ممارسون؟حدّدي مستوى العمق المطلوب
الدافع للحضورهل جاؤوا للتعلّم أم لتقييمك؟هذا يحدد نغمة الافتتاح
موقفهم من الموضوعهل لديهم مواقف أو مدارس فكرية محددة؟يساعدك في إدارة المقاومة
شبكة العلاقات بينهمهل بينهم تراتبية وظيفية؟لتفهم حساسية الحوار

ستكون النتيجة تصور واضح عنهم وكيف يرون أنفسهم؟ وعلى أثرها ستتم صياغة المحتوى الذي يعد الوسيلة لقيادة حوار فكري، يمكنك الاستعانة بمعادلة بسيطة (سؤال محوري + فرضية قابلة للنقاش + قصة تطبيقية) والهدف هو أن يكون عرضك مساحة استكشاف، لا سرد معلومات.

أثناء تحضير المحتوى لا تغفل عن تهيئة نفسك، درّب جسدك وصوتك على الإيقاع الهادئ وتخيّل أنك تيسّر حوارًا بين خبراء والمهم جدًا أن تراجع مبدأ النية قبل الأداء هل هي الإبهار أم الإثراء!!.

أثناء التقديم

تُدار في هذه المرحلة الطاقات والعقول عبر التفاعل، وينصح فيها بأن تبدأ بـ 30 ثانية تظهر فيها الاعتراف المعرفي واشكر حضورهم واعترف بخبرتهم، ثم أدر الحوار من خلال استخدام استراتيجيات التفاعل الذكي.

التقنيةالوصفالأثر
صوت الخبرةامنح أحد الحاضرين المجال ليشرح مفهومًاتحويلهم إلى شركاء في المحتوى
المرآة العاكسةأعد صياغة مداخلة أحدهم لتبيان تقديركخفض المقاومة وزيادة الاحترام
الاختلاف الآمنعندما تعارض فكرة، استخدم ..وجهة نظر مثيرة، دعنا نختبرها في ضوء….نقاش بنّاء بلا تهديد
الاستدعاء المسبقاربط بين مداخلة سابقة ونقطة جديدة: كما ذكر الأستاذ …..قبل قليل، هذا يرتبط ب….إشراك خفي وذكاء اجتماعي

في منتصف الورشة، خصص تمرينًا قصيرًا تشاركيًا من خلال تقسيمهم إلى مجموعات صغيرة واستخدام ورق عمل، هذه اللحظة تخلق ملكية فكرية مشتركة، فتتلاشى مقاومة أنا أعرف أكثر.

قد يحدث أن يعترض أحدهم أو يسأل سؤال كأنه يختبرك، قاوم رغبة التبرير وابدأ مثلا ب “أعجبني سؤالك لأنه يعيدنا إلى جوهر الفكرة، خلينا نحلله مع بعض” .. ثم اطرح سؤالًا مضادًا: على سبيل المثال … لو طبّقنا فكرتك في بيئة ذات خصائص مختلفة، ما الذي قد يتغير؟ والأثر هنا سيتحوّل الخبير المعارض إلى شريك في التجربة والفكرة.

أخيرًا اختم بأسلوب العصف المعكوس مثل شاركونا فكرة واحدة تودون أن تختفي من هذا المجال، وأخرى تتمنون أن تبقى. 

بعد التقديم

المرحلة التي يتحول فيها اللقاء إلى علاقة فكرية مستمرة، احرص على أن تحصل على تغذية راجعة من الخبراء تسأل فيها على سبيل المثال عن الفكرة التي أثّرت فيهم أكثر؟ والموضوع الذي يرغبون بمناقشه بعمق في لقاء قادم؟ وأن تكسب دعمهم كمعلمين سبقوك في المجال. إن فن إشراك الخبراء هو أن تجعلهم يشعرون أن أفكارهم تنمو معك، أو أن يرونها بمنظور آخر.

أخيرًا … الشجاعة في هذا السياق ليست نقيض الخوف، بل القدرة على التعايش مع الوعي الحاد بالاحتمالات، وفلسفيًا وصف كيركغارد الشجاعة بأنها التحرك رغم الهاوية، أي أن نعيش تناقضاتنا دون أن نهرب منها.
إن الوقوف أمام العقول الخبيرة هو موقف نفسي معرفي يختبر قدرتك على الجمع بين تواضع المتعلم وهيبة المتمكن الذي لا يجب أن يُخطئ، حين تنجح في ذلك أنت تكسب اتساعًا داخليًا يجعلك أكثر اتزانًا في مواجهة أي عقلٍ قادم.

الحياة تتطلّب الكثير من الشجاعة حتى في أبسط الأمور، اقتنص الفرص، اكسر حواجزك، تقدّم … فالمنظور الذي ترى نفسك به قد يكون أبعد بكثير مما يرونك الآخرين عليه.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

أضف تعليق