في زمنٍ لم تكن فيه شبكات اجتماعية، ولا منصات مهنية، كان العرب يعرفون بالوجه والصوت، لا بالسير الذاتية. كانوا يصنعون السمعة من بيت شعر، ويبنون المجد من كلمة تُقال في مجلس.
كان الشاعر يُنشد قصيدته في سوق عكاظ، فيقف له الناس، وينتشر اسمه بين القبائل.
وكان الفقيه يُسأل في مجلس الخليفة، فتُكتب له المكانة، ويؤتى له بالناس من كل مكان ليسمعوا رأيه.
وكان التاجر، إن صدق في بيعه، أصبح معروفًا من دون أن يكتب إعلانًا واحدًا.
لم تكن هناك “طلبات توظيف”،
بل كانت القصيدة هي السيرة الذاتية، والموقف هو المقابلة الشخصية، والتزكية تأتي لرجلٍ يُقال فيه: لا يشق له غبار، له قدم صدق في قومه، عرفناه بالفضل لا بالطلب وبالمبادرة لا بالتكلّف.
واليوم..
لم يتغيّر شيء. فقط انتقل المجلس إلى الشاشة، والشعر إلى المنشورات، وأصبح لينكدإن هو سوق عكاظنا المهني من أراد أن يُرى، فليظهر ومن أراد أن يُسمع، فليكتب.
كنت ومازلت أكره السير الذاتية ولا أشعر بصدقها، هذا جعلني أتساءل وأبحث كيف بدأت؟
- الزمن القديم – السمعة هي السيرة فيُعرف الناس من مواقفهم وكلام الناس عنهم، لا وثائق مكتوبة.
- القرون الوسطى – ظهرت السير الذاتية كقصص وتجارب شخصية، لا لأغراض التوظيف.
- 1482م يقال أن أول سيرة ذاتية مهنية كتبها ليوناردو دا فينشي لحاكم ميلانو لطلب وظيفة، وعرض فيها مهاراته.
- القرن 20 – اأصبحت السيرة وثيقة منظمة تُستخدم في التوظيف وتتضمن التعليم، الخبرات، المهارات.
- اليوم – السيرة لم تعد مجرد ملف، بل هويتك المهنية الحية على المنصات مثل LinkedIn.
في عام 2003، أُطلقت منصة لينكدان بفكرة بسيطة وهي دفتر عناوين مهني رقمي، يساعد المحترفين على ربط بعضهم ببعض، وتبادل فرص العمل والمشورة داخل بيئة موثوقة.
لم تكن حينها مكانًا للمحتوى أو التفاعل، بل كانت تُستخدم لجمع جهات الاتصال المهنية، ومعرفة من يعمل أين، والتوصية بزملاء العمل السابقين.
خلال أول عام، جذبت المنصة حوالي 500,000 مستخدم، معظمهم من وادي السيليكون، ومع الوقت، تطوّرت الفكرة وبدأت لينكدإن تتحوّل إلى ساحة مهنية حية.
- تجاوز عدد أعضاء لينكدإن 1.1 مليار مستخدم عالميًا بحلول يناير 2025، بزيادة نحو 70 مليون مستخدم سنويًا منذ 2023
- في السعودية +5 ملايين مستخدم نشط في 2025
- 95%من مسؤولي التوظيف يستخدمون لينكدإن بانتظام، ما يعني أن غيابك الرقمي يجعلك خارج دائرة فرصة تواصلهم
- الشركات التي تمتلك علامة تجارية كجهة عمل قوية يمكن أن تخفض تكلفة التوظيف بنسبة تصل إلى 50٪ مقارنة بالشركات ذات الصورة الضعيفة.
- 77.5% من العملاء يفضلون التعامل مع شركات يقودها قادة نشطون رقمياً.
منذ أن بدأت لينكدإن كأداة لجمع جهات الاتصال، أدركت أن الملف الشخصي ليس مجرد بطاقة معلومات، بل فرصة للتعريف الذكي بمن أنت.
ومع مرور السنوات، أصبح الملف المهني في لينكدإن أشبه بسيرة ذاتية تفاعلية، تُحدّث تلقائيًا، وتُعرض على أي شخص يبحث عنك — أحيانًا دون علمك.
اليوم، الحسابات التي تحتوي على صورة احترافية وملخص شخصي واضح، تحصل على زيارات أكثر بنسبة 40٪. أما المستخدمون الذين ينشرون محتوى أو يعلّقون على منشورات في مجالهم، فيظهرون في نتائج البحث ويُوصى بهم أكثر من غيرهم.
وهكذا، تحوّل الملف الشخصي من كونه سجل وظيفي ثابت، إلى أداة تمكّن الموظف من بناء هوية مهنية، وتوسيع شبكة علاقاته، وخلق فرص لم يُعلن عنها رسميًا بعد.
يرى الآخرون ما تود أنت أن يروه وبناءً على ذلك:
- أولًا: كيف ترى نفسك؟ ما هي نقاط قوتك؟ ما الذي تفتخر به في خبراتك؟ ما نوع الفرص التي تناسبك؟ ما القيم أو الرسالة التي تمثّلك مهنيًا؟
- ثانيًا: كيف يراك الآخرون على المنصة؟ هل صورتك الشخصية توحي بالثقة والمهنية؟ هل عنوانك المهني يُعبّر عن هويتك الفعلية؟ هل الملخص المكتوب يعكس نبرة صوتك وقيمك؟ هل المنشورات التي تشاركها تُظهر تخصصك أو تميزك؟
الهوية الرقمية ليست فقط محتوى… بل طريقة تفكير.
كيف تحصل على فرص غير مُعلنة؟
- تكتب منشورًا عن تجربة أو فكرة يراها شخص يبحث عن شريك لمشروع مشابه، يراسلك: “هل لديك وقت نناقش تعاون محتمل؟”
- تشارك تجربة من ورشة أو دورة نفذتها، مدير في جهة يتواصل معك: “هل تقدّم مثل هذه البرامج عندنا؟”
- شخص من شبكتك يُطلب منه ترشيح شخص لمنصب، يتذكرك لأنك نشط وتكتب بعقلية قيادية، يرشحك مباشرة حتى دون وجود إعلان.
- تتفاعل مع مدير في جهة أخرى، وتبدأ المحادثة، بعد شهور، يرسل لك عرضًا لمشروع، أو يوصي بك لشخص آخر.
حتى على مستوى الشركات …
في السابق، كان التسويق المؤسسي يتم عبر الإعلانات التقليدية، أو عبر حساب الشركة الرسمي لكن السنوات الأخيرة أثبتت أن الناس لا تتفاعل مع الشركات… بل مع الأشخاص الذين يمثلونها.
المنشورات التي يكتبها الموظفون عن ثقافة العمل، أو الإنجازات التي شاركوا فيها، تُحقق تفاعلًا أكبر بثمانية أضعاف من محتوى الحسابات الرسمية، أما القادة الذين يشاركون تجاربهم وخبراتهم، فغالبًا ما يُنظر إليهم كواجهة حقيقية لروح المؤسسة.
حسابات لينكدان لم تعد فقط تمثّل الموظف… بل أصبحت تمثّل صورة الشركة من خلال موظفيها وقادتها، سواء أكان ذلك بقصد أو بدون قصد.
تخيل موظف نشر منشور بسيط على لينكدإن يقول فيه: “اليوم الأول لي في الشركة، ما توقعت ألقى هذا القدر من الترحيب والاحتواء، فخور ببداية جديدة “ الآن، لو رأيت هذا المنشور، بمشاعره الصادقة ولغته البسيطة، ما الذي ستفترضه عن الشركة؟ الغريب؟ هذا المنشور قد يؤثر أكثر من 10 منشورات رسمية كتبتها إدارة الاتصال المؤسسي!
أو أن أحدهم صادف تعليقًا لك على لينكدان، أو منشورًا شاركت فيه قصة عن عملك، أو حتى مجرد إبداء إعجاب بمقال يخص شركتك… هل سيقول: “فلان قال كذا”، أم “شوفوا كيف تفكر شركتهم”؟ المتلقي لا يفرق بينك وبين شركتك… أنت واجهتها فكل تفاعل رقمي تقوم به يعكس صورة عن ثقافة بيئة العمل التي تنتمي لها ويضيف انطباعًا عن قيم شركتك، نبرة صوتها، ومهنيتها وحتى صمتك الرقمي أحيانًا يُقرأ “كفى بشحوب أوجههم دليلا”
القائد الرقمي المؤثر:
أما القائد الذي يشارك قصصه وتجربته فهو يعزز الثقة وكل منشور منه هو رسالة غير مباشرة عن ثقافة القيادة في الشركة إضافة إلى التفاعل مع منشورات الزملاء والفريق هي ثقافة تمكين وتحفيز، فالقيادي المؤثر لا يروّج… بل يُلهم.
- يتحدث بصوته – لا يستخدم لغة العلاقات العامة
“فخورون بما حققناه خلال الربع الثالث ونواصل التزامنا بالتميّز.” خطأ
“كنا قلقين من نتائج الربع الثالث. بذلنا جهدًا مكثّفًا أعادنا للمسار، واليوم أنا ممتن للفريق.” صح
- يشارك التجربة – لا الإنجاز المجرد
“كنت أظن أن أفضل طريقة لتحفيز الفريق هي وضع تحديات كبرى، لكن بعد أسبوع من الضغط، لاحظت تراجع الحماس وزيادة الأخطاء. جلست مع أحد الأعضاء، وقال لي بهدوء: (نحتاجك تقودنا، مش تدفعنا)
من يومها، غيّرت أسلوبي. صرت أبدأ بالسؤال، لا بالتحدي.”
- يعترف بالتحديات – لا يروّج للصورة المثالية
“أسوأ قرار اتخذته هذا العام كان استعجالنا بإطلاق المنصة دون اختبار كافٍ. تعلمت أن الحماس قد يُغشّك”
- يظهر فريقه – لا يحتكر الصورة
“هذه المبادرة ما كانت لتتم بدون لينا من قسم التخطيط، وأحمد من الدعم التقني، أنتم أبطال هذا الأسبوع.”
تُظهر الإحصائيات أن الكثير من مستخدمي لينكدان يمتلكون حسابات غير محدثة، ويزورون المنصة دون تفاعل، ويحتفظون بمعلومات قديمة لا تعكس ما أصبحوا عليه اليوم، وفي المقابل، هناك من يُحدّث ملفه بانتظام، يشارك في الحوارات المهنية، ويصنع فرصًا تأتيه دون أن يبحث عنها مباشرة.
