يستطيع الخبراء نقل معرفتهم “زي ما يقول الكتاب بالضبط”، ما عدا تلك المساحة التي لا يمكن تدوينها أو توثيقها وهي البصيرة التي لا تُنقل بأي طريقة، الحدس الذي يخبرك متى تتبع القاعدة ومتى تكسرها! هذا الحدس لا يتكوّن إلا بتراكم سنوات من الخبرة، الاحتكاك بالمواقف المعقدة، واتخاذ القرارات الحاسمة، و “صفو منْ ممارسةٍ .. للطارئات، وإمعانٍ، وتمرينِ”.
الخبرة ليست مجرد معلومات يمكن تلخيصها في مستند أو جلسة لمشاركة المعرفة إنما “عصارة تجريبٍ وتلقينِ”، وهي التي تصنع الفارق الحقيقي.
وهنا يظهر مفهوم المنظمة المتعلمة التي ترى أن المعرفة سواء كانت موثقة أو ضمنية ليست ملكًا للفرد وحده، بل أصلًا استراتيجيًا يجب تحويله إلى رصيد جماعي يدعم استدامة المؤسسة.
ستجد في البيئات الناضجة مهنيًا الكثير من الخبرات التي تحتّم عقد جلسات مشاركة المعرفة كلقاءات رسمية ومنظمة للفريق، وهي في الحقيقة تفاعل فكري عميق يهدف إلى استدامة الخبرة وتحويلها إلى أصول جماعية بدل أن تبقى حبيسة عقول الأفراد، لكن لهذه الجلسات أدبيات وإن لم يتم مراعاتها، فقد تتحول إلى تقليل من شأن الخبرة، واستنزافٍ لصاحبها، وإضاعةٍ للقيمة الحقيقية للمعرفة.
وفقًا لفلسفة المنظمة المتعلمة التي وضع ملامحها بيتر سينج، فإن مثل هذه الجلسات ليست مجرد تبادل معلومات، بل ممارسة منهجية تهدف إلى بناء ذاكرة مؤسسية وتطوير قدرة الفريق على التكيف والابتكار باستمرار.
ولأن نقل المعرفة أثمن من أن يُترك للصدفة والعبث بلا تخطيط، فإن هناك أسسًا تجعل من كل جلسة تجربة تعلم حقيقية:
- التقدير أولًا
عندما يشارك الشخص المعرفة والخبرة فهو لا يقدم مجرد بيانات وإجراءات، بل يشارك ربما سنوات من التعلم أو كمًا من التجارب النوعية، الأخطاء المصححة، والرؤية التي لا تكتب في دليل، لذا يجب أن يكون هناك تقدير واضح من خلال اختيار بيئة تليق بالمحتوى، الحضور الذهني والاهتمام من جميع المشاركين، وعدم التعامل مع الجلسة كواجب روتيني دوري، بل كفرصة ذهبية للتعلم.
2. وضوح الهدف من جانب ماذا ننقل ولماذا؟
قبل أن تبدأ جلسات مشاركة المعرفة يجب أن يكون الهدف واضحًا, ما هي المعلومات التي يجب نقلها ومشاركتها؟ ما الذي يمكن تعلّمه بالممارسة بدلاً من الحديث النظري؟ ما الذي يحتاج إلى توثيق مكتوب وما الذي يعتمد على التفاعل المباشر؟ حيث تُدار المعرفة بما يخدم الصورة الكبرى ويعالج الروابط بين الأجزاء لا التفاصيل المعزولة.
3. التفاعل لا التلقين
مشاركة المعرفة لا تقوم على سرد طرف واحد، بل حوارٌ قائم على الأسئلة الذكية والتطبيقات العملية، يجب مشاركة المتلقين بأسئلتهم وتصوراتهم، لا أن يكتفوا بالاستماع السلبي، ويمكن استخدام سيناريوهات واقعية وتمارين عملية بدلًا من السرد النظري الجاف، والسماح لهم بتحليل المشكلات واتخاذ قرارات بناءً على ما تعلّموه، وهذا جوهر التعلم الجماعي الذي تطرحه المنظمة المتعلمة كركيزة لابتكار الحلول وتنمية الفِرق.
4. التوثيق والاستدامة
من المهم أن يكون هناك مستندات تلخص النقاط الأساسية التي تم نقلها، ويفضل تدوين الدروس المستفادة والتطبيقات الممكنة، والتأكد من أن الفريق لديه فرص لاحقة للممارسة والتطبيق حتى تترسخ المعرفة.
ولكن ماذا عن المعرفة القبلية للموظف والتي لا علاقة لها بمسماه الوظيفي؟
المعرفة القبلية التي يمتلكها الموظف، حتى لو لم تكن مرتبطة مباشرة بمسماه الوظيفي، قد تكون مفيدة جدًا بناءً على السياق والطريقة التي يتم بها استخدامها داخل المؤسسة، وتدرك المنظمة المتعلمة أن هذه المعارف قد تكون بذرة ابتكار أو حلّ غير متوقّع، ومن هنا تأتي أهمية إدارة المعرفة بذكاء دون استنزاف أصحابها.
متى تُنقل المعرفة القبلية؟
• إذا كان الموظف يمتلك خبرات سابقة مثلًا في حل المشكلات، أو تحسين العمليات، فقد تكون مفيدة حتى لو لم تكن جزءًا من دوره الحالي.
• إذا كان لديه معرفة بمجال قريب من تخصص الفريق، مثلاً، مبرمج لديه خبرة في تحليل البيانات، أو مسوق يفهم التصميم الجرافيكي، فقد تسهم هذه المعرفة في تحسين التعاون والإنتاجية.
• بعض الموظفين لديهم شبكة علاقات مهنية قوية أو خبرة في مجالات أخرى، مما يجعلهم قادرين على سد الفجوات بين الفرق المختلفة داخل المؤسسة.
• في بعض الأحيان يكون للموظف معرفة عميقة بالمنافسين، السوق، أو تقنيات لم يتم تطبيقها بعد في الشركة، مما قد يكون مفيدًا في اتخاذ قرارات استراتيجية.
ومع ذلك ..
لا ينبغي إجبار الموظف على مشاركة معرفته القبلية إذا لم يكن يرغب بذلك، خاصة إذا كانت خارج نطاق وظيفته الرسمية، ويمكن تحفيزه على المشاركة بطريقة تجعله يشعر بأنها إضافة لقيمته وليس استغلالًا لمهاراته.
كيف تُدار المعرفة القبلية بذكاء داخل المؤسسة؟
• اجعلها اختيارية ولا تجبر الموظف على مشاركة معرفته القبلية، بل اجعله يرى أن مساهمته ستكون محل تقدير.
• حدد متى تكون مفيدة واستثمر المعرفة القبلية في مواقف محددة دون أن تجعلها عبئًا مستمرًا على الموظف.
• إذا كان الموظف يضيف قيمة حقيقية بسبب معرفته القبلية، فمن العدل أن ينعكس ذلك على راتبه، ترقياته، أو وضعه الوظيفي.
• تأكد من أن الاستفادة من المعرفة القبلية لا تعني إعادة تعريف دور الموظف بطريقة تضر بمساره المهني أو الوظيفي.
في النهاية، المنظمة الناضجة مهنيًا تتعامل مع الخبرة والمعرفة كبذور قابلة للنمو، وتزرعها في بيئة تقدير وحوار وتوثيق، وبالتالي فهي قادرة على تحويل المعرفة الفردية إلى رأس مال جماعي يضمن استدامتها ويفتح أمامها آفاقًا أوسع من التميز، والمفتاح هو التوازن بين الاستفادة منها وبين ضمان عدم استغلال الموظف أو تشتيته عن دوره الأساسي.
