أعرف نفسي شخصية جادة جدًا إلا أنّي لاحظت تطوّر الحس الفكاهي لدي خلال الثلاث سنوات الأخيرة، وجاء هذا متزامنًا مع ازدياد الضغوط المهنية والتحوّل في مساري وبعض توجهاتي، وجدت مع الوقت أسلوبًا مختلفًا عما اعتدت عليه ظهر في تحوّل نظرتي للأمور أو تفسيري لبعض المواقف ووصفي لها بسخرية. أذكر أن إحدى الصديقات قالت مازحة “خلود صار بداخلك متنمر صغير أخشى أن يكبر”!! أعرف أن البعض سيقول أن التنمر سلوك سيء ولكن القصد في سياق الموقف هو التهكم والسخرية دون الإساءة والتجريح.
هذا التحول الشخصي دفعني إلى التساؤل: كيف يتطوّر حس الفكاهة في الشخصية؟
حين نتأمل نجد أن الأمر ليس مجرد خفة ظل عابرة، بل عملية أعمق يتداخل فيها مكنون النفس وأفكار العقل والتجربة الاجتماعية، فتظهر الفكاهة هنا كاستجابة مركّبة تتضمن تفسيرات عدة:
- آلية دفاعية: بدلًا من الانهيار أو التصرف بحدّة، يترجم العقل الضغط إلى تعليق ساخر.
- مرونة عصبية وارتباط بالإبداع: الدماغ يتعلم الربط غير المألوف بين الأفكار لمواجهة المواقف، وهي نفس الآلية التي تولّد الفكاهة، كما أن إنتاج الدعابة يشبه التفكير التباعدي وهو القدرة على توليد أكبر عدد ممكن من الحلول.
- نضج عاطفي: مع الخبرة، يصبح الإنسان أكثر قدرة على تقبّل تناقضات الحياة عبر السخرية منها.
- تعزيز اجتماعي: عندما يرى الفرد أن الدعابة خففت التوتر أو قربته من الآخرين، يعيد إنتاجها بشكل تلقائي.
تُعتبر الجدية المفرطة غالبًا معيارًا للاحترافية عند الكثيرين، غير أن الإفراط في الرسمية والصرامة يترك آثارًا سلبية منها زيادة التوتر والإرهاق، ضعف التواصل الإنساني، إعاقة الابتكار، تآكل الانتماء وبعبارة أخرى البيئة الجادة تحقق الانضباط، لكنها تخسر المرونة والدافعية والإبداع.
الفكاهة ليست ترفًا، بل آلية بقاء نفسية تخفف من القلق وتقلل حدّة التوتر كما تعيد صياغة الموقف المرهق بشكل يمكن احتماله وتمنحنا شعورًا بالسيطرة في حين يغلب علينا مظنة فقدانها.
الكوميديا جسرًا إنسانيًا
يذكر دانيال جولمان أن الذكاء العاطفي لا يتوقف عند قدرتنا على ضبط أنفسنا، بل يشمل أيضًا بناء الثقة مع الآخرين.
هنا يظهر دور الكوميديا بوضوح لبناء هذه الثقة؛ فهي تساعدنا على تخفيف المشاعر السلبية وتحويلها إلى طاقة أخف، كما تخلق لحظات ضحك مشتركة تقرّب المجموعة من بعضها البعض وبمرور الوقت، تتحول هذه المواقف أو العبارات المضحكة إلى قصص يرويها الأفراد وتصبح جزءًا من هوية المكان والمجموعة وثقافتها.
عندما تشتد الضغوط في بيئة العمل ويصعب احتمالها، تظهر الكوميديا السوداء وهي الضحك الممزوج بالمرارة، الذي يسخر من المفارقات المؤلمة، وقد تصبح لغة غير معلنة بين الموظفين للتعبير عن الواقع بطريقة غير مباشرة، وتمنح الأفراد شجاعة لمواجهة ما لا يستطيعون تغييره صراحة لكنها تبقى سلاحًا ذا حدين؛ فقد تخفف من وطأة الضغوط، وقد تتحول في المقابل إلى سخرية جارحة أو وسيلة لتطبيع المعاناة بدل السعي لتغييرها، ورغم هذا التناقض، إلا أن الكوميديا حتى السوداء منها تشترك مع الابتكار من حيث:
- إعادة التأطير: الدعابة تنقلنا من منظور متوقع إلى آخر غير مألوف.
- خفض الحواجز النفسية: النكتة تقلل من رهبة طرح أفكار غير تقليدية.
- تنشيط الدماغ: الضحك ينشّط مناطق المكافأة والتعلم ويزيد الربط بين الأفكار.
- المرونة المعرفية: المشاعر الإيجابية توسّع المدارك وتبني قدرة على التفكير الإبداعي.
ليست كل أنواع الفكاهة متشابهة، فهناك الدعابة الإيجابية التي تجمع الناس، تخفف الضغوط، وتبني الثقة بينهم. وفي المقابل، هناك نوع آخر يقوم على السخرية أو التجريح، وهذا غالبًا يزرع الانقسام ويهدم العلاقات.
الكوميديا في بيئات العمل ليست خروجًا عن الجدية، بل شريك لها فهي تساعد الفرد على الصمود تحت الضغط وتعزز العلاقات الإنسانية وتبني ثقافة أكثر تقبّلًا وأسهل اندماجًا، وتفتح الباب للإبداع عبر كسر النمط وإطلاق التفكير الحر.
غالبًا ما يُنظر إلى الجدية والفكاهة كطرفين متناقضين، وكأن على الإنسان أن يختار بين أن يكون صارمًا أو مرحًا لكن الحقيقة أن القيمة الحقيقية للشخصية تظهر في المزج بين الاثنين، فالجدية تمنح وضوحًا وانضباطًا، بينما تضيف الفكاهة مرونةً وروحًا إنسانية.
ومن تمام النضج أن يجتمع في الإنسان الجد والفكاهة، والحزم واللهو، وقد لفت الشعراء هذا الخلق الرفيع، كقول أبي تمام:
الجد شيمته وفيه فكاهة
طورا ولا جد لمن لا يلعب
أو قول الأبيرد:
إذا جد عند الجد أرضاك جده
وذو باطل إن شئت ألهاك باطله
هذه الشواهد تكشف أن الجمع بين الحزم والمرح ليس ضعفًا ولا تناقضًا، بل كمالًا إنسانيًا تدرك فيه أن الحياة والعمل يحتاجان إلى الانضباط والمرونة معًا وهو التوازن نفسه الذي يجعلنا أكثر قدرة على الجمع بين الأداء والابتكار، وبين الصرامة والبُعد الوجداني.
ولهذا، من المهم ألا ننتظر تطوّر الحس الفكاهي مصادفة تحت ضغط التجارب، بل أن نسعى بوعي لتطويره كمهارة يجب صقلها بالممارسة والانفتاح والتجربة، وهي من أهم ما يوازن حياتنا ويجعلنا أكثر قدرة على الثبات والتجدّد.
قد لا تحل الفكاهة كل المشكلات، لكنها تغيّر الطريقة التي نواجه بها هذه المشكلات … ومن هنا يولد التغيير.
