هناك جانب من قدراتنا من الصعب أن نكتشفه بأنفسنا وهو أشبه بنقطة عمياء لا نراها، بل وتنتابنا جميعًا حالات التشكك نحوها. تتساءل هل أستطيع أداء هذه المهمة كما ينبغي؟ هل سأنجح؟ هل سيطولني اللوم إن فشلت في تحقيق النتائج؟ هل سأكون مخيّبًا للآمال؟
تجعلنا هذه التساؤلات المتشككة نتجنّب أي مهمة جديدة تُلقى على عاتقنا، وندخل في حالة من التذمّر نتيجة حوار سلبي يدور في أذهاننا، وربما نتساءل بيننا وبين أنفسنا: ليش يعني أنا! وهنا ….. إما أن تعيش دراما تتعبك أو أن ترى أنها تحدٍّ وتجربة تخوضها، والنجاح أوالفشل احتماليات واردة.
ولكن المهم … أن يكون دائمًا نصب عينيك أن الآخر يرى فيك مهارة لا تراها، ولا أحد سيجازف بسير العمل وانسيابيته إن كنت لست كفء للمهمة، وكلما راودك سؤال “ليش أنا!” وقت تكليفك بمهام صعبة، حدّث نفسك
” لو ما أنت بكفو ما جتك الكلايف
القوي دايم صواديفـه قويّـة ”
قبل أيام سألت في نقاش عام مع زميلاتي عن أي الحالتين أفضل في الأداء والشعور : عمل طبيعة مهامه أحادية وباتجاه واحد وواضحة ومقننة وفي إطارك المعرفي الخاص وخبرتك وتسليمات مباشرة أو طبيعة عمل أخطبوطية مبنية على (الأكشن) وتعددية المهام وابتكار الحلول وملجأ من حولك لحل المشكلات! والحقيقة …. كان الخيار الأول هو الأعلى تصويتًا! ولا عجب في هذا الاختيار لأن الشخص تحت الضغط يرى أنه يريد مهام مقننة، بينما لو أخرج الضغط من المعادلة وتسلّم مهام بسيطة بالنسبة له سيشعر بالملل ويفقد التركيز وهذا ما يسمى بأسلوب “امتصاص الحماس” الذي قد يلجأ له المتلاعبين نفسيًا لإشعار الآخرين بعدم فاعليتهم أو أمام خصم يُراد تشتيته.
وفي العموم دائمًا أطرح نقاشات كهذه أرشّح فيها اختيار المهام الصعبة، والنتيجة التي أخرج بها ممن حولي ” خلود انتِ تحبي القروشة وصداع الراس” ولكن الحقيقة ” يامدوّر الهيّن ترى الكايد أحلى!” لا يمكن أن يجتمع طموحك مع رضاك بمهام لا تضيف لك على مستوى تطوّرك وخبرتك، لا تجد فيها صعوبة وتحدٍ يواجهك، وإن فعلت فهي مجرد حالة لتقفز بعدها للتالي، غير أني أؤمن بأن لا شيء أشد على الإنسان من أن لا يكون في مكانه الصحيح الذي يجد فيه ذاته ويتوافق مع قدراته وهنا سيكون لسان حاله (وما قتلتني الحادثات وإنما حياة الفتى في غير “موضعه” قتلُ)!.
هذا يقودنا لتناول شعور الأهمية (قد ايش تشعر إنك مهم في المكان اللي انت فيه)، يختلف الناس في ترتيب شعور الأهمية وكيف يكون التعبير عنه، ستجد شخص يشعر بأهميته حين تأخذ رأيه أو تأتمنه على سر أو ربما حين تكلفه بمهمة صعبة وقد تجد آخرًا ليس شرطًا أن يشعر بكل هذا طالما كان الوضع مستقرًا وينهي عمله دون مطالبات أخرى.
أتفهم معنى أن يكون الشخص في مكان عمل يؤدي فيه مهام بالنسبة له سهلة وبراتب مجزئ وممتاز ثم يتركه ليتجه لوظيفة أكثر تعقيدًا وربما أقل دخلًا، لا لشيء سوى الشعور! وقد يُلقى اللوم عليه فيكون جوابه أشعر أن أي أحد يستطيع أن يغطّي مكاني!
إن الجانب الذي يطغى على حياة الإنسان هو غالبًا الجانب الذي يريد أن يشعر فيه بأهميته، فإذا كان يطغى على حياته الجانب المهني ويتفاني فيه فمن المؤكد أنه الشعور بالأهمية في عمله هو الفارق، وإن كان يطغى على حياته الاهتمام بالجانب الاجتماعي وجلسات الأصدقاء فستراه يبحث عن شعور الأهمية هناك وبينهم.
أما عن كيف أشعر الآخر بأهميته ولماذا أبذل جهدًا في ذلك؟ فالأمر يحتاج لبذل الجهد في أن تراقب وتلاحظ وتحلل وتستنتج وتجرّب!
لكل شخص طريقته التي قد لا تخطر على بالك ولكن علاماتها أن ترى الارتياح ظاهرًا عليه مهما كانت المهام التي يُكلّف بها وتراه يبدع ويعطي بلا حدود. وأما عن السبب فاشعار الآخر بأهميته يجعلك تتحصل على أفضل أداء ممكن فضلًا عن الفوز بولائه وانتمائه، وإنسانيًا أجدها في أن تضع كل شخص في مكانه وتمكّنه من أن يكون أفضل مما كان ودائمًا تذكّر “أمرنا أن ننزل الناس منازلهم” وإشعارك بأهميتهم يدخل فيه.
مسؤوليتك تجاه من حولك أن تكتشف كيف يشعرون بأهميتهم ثم تقولها لهم مرة وتثبتها فعلًا مرات ومرات، وتكمن العبقرية في أن تقول أنت مهم دون أن تقولها!
