نشأت في عائلة تعظّم العمل والإنجاز وأن لا يكون المرء رهين فراغه، وفي جيل يؤمن بأن الوقت من ذهب ويأخذ الحياة على محمل الجد.
ويحدث أن أسمع فلسفة من البعض أصنفها بالهراء حيث يوجهون الكلام لي قائلين ” ارحمي نفسك ماينفع تكون حياتك كلها عمل ” وكأني قد اشتكيت لهم أو أنهم يعرفون تفاصيل حياتي كاملة! ولا أطيق هذا التطفّل وأصحابه وأخذ دور الأستاذ على الآخر، وغالبًا أفضّل أن أفقد صلتي بهم بلا أي أسف.
ومع كل تلك الجدية التي يراها الجميع ولا يختلف عليها أحد سواي، ألوم نفسي على تقصيري، وأنه بالإمكان أفضل مما كان.
قبل ثلاثة أشهر من الآن اعترفت لنفسي بأني انغمس في العمل لدرجة كبيرة، يسميه البعض إدمانًا، أما أنا فلا أرى الأمر كذلك إطلاقًا، أراها الحياة وما تقتضيه من اهتمام وسعي وما سنحاسب عليه أيضًا.
الأمر يكمن في اتزانك وترتيب أدوارك، وطالما لم يكن العمل يلهيك عن أهم واجباتك فلا ضير بأن يكون أحد محاور حياتك الأساسية. العمل ليس محورًا ثانويًا وليس رفاهية حياة، إنه صلب حياتك ومكوّن أساسي لذاتك.
حين اعترفت لنفسي بالإنغماس بالعمل لم أقاوم الفكرة أبدًا أو أنكرها، عرفت بأنه كان عليّ أن أغيّر جزءًا من تفاصيل حياتي. وأعتقد أن العمل من المنزل والعمل الحر محرّك كبير ودافع للانغماس فلا حدود ولا حواجز ولا توقف عن التفكير حيث أن ذاكرة المكان في المنزل ممتلئة بكل ما يمت للعمل بصلة ” كل شي حولي يذكرني بشي “.
قررت قبل فترة بأن أوسّع مساحة النزهات أسبوعيًا، وأن يصبح ذهابي للنادي جزءًا أساسيًا من غالب أيامي، أن أنتظم في التسوّق بشكل شهري وأن أقتنِ قطعًا جديدة من الملابس أو الحقائب أو المجوهرات وغيرها باستمرارية، وأن أخوض أحاديث خارج نطاق العمل مع الأشخاص المختلفين. لا أنكر أني قد أغلق بعض ملفات عملي في الإجازة الأسبوعية وأرد على رسائل العمل في النادي، ولكني أكون مفعمة بالحياة حينها وأكثر وفاءً لحس المسؤولية والإلتزام الذي بداخلي والذي يود الكثيرون لو نما بداخلهم كما تنمو شجرة.
هذا ما أفعله ولا أود إلا أن أكون أكثرتركيزًا في عملي وقبل ذلك حفاظًا على صحتي النفسية، حيث ما دفعني لتغيير النظام هو خوفي مما يسمى ” الإحتراق النفسي أو الوظيفي ” فأصل لا سمح الله لطريق مسدود يصعب عليّ إنقاذ نفسي فيه على الرغم من أن كل إنجاز يشكّل لي سعادة، ولكن من الحكمة أن تفكّر بنتاج تراكمية الأمر لا باللحظة.
حدوث الإتزان صعب جدًا ولكن أن تحاول فيه هو أمر صحي وهذا المطلوب منك، أن تبقى يقظًا لنفسك وإلى أين يقودها سلوكك، وأن تكون زمام الأمور بيدك حيث تعرف متى تتوقف وهذا هو المهم. لذلك لم أكن أسمح بتدخلات المتطفلين عليّ بآرائهم ما لم أطلب منهم مشورة ومالم يكونوا داخل دائرتي القريبة.
وهذا يقودنا لسؤال مهم: ما هي مساحة العمل الطبيعية من الحياة ككل ؟ في الحقيقة لا أحد يعرف الجواب الصحيح سواك، حيث كل مرحلة تقتضي هيمنة دور ما من أدوار حياتك، فأحسن ترتيب أدوارك والحيز الذي تأخذه بحيث لا يطغى أمر على أمر فيرهقك. لا تطلب من نفسك طريقة واحدة لكامل حياتك، وكن مرنًا ومتقبلًا لإختلاف المراحل والأدوار وراجعها من وقت لآخر.
بالمناسبة أكتب هذه المقالة يوم الجمعة وكنت قد أجلّت كتابتها لأيام، أختار اليوم أن أجلس بالمنزل، بعيدًا عن صخب الحياة وزحامها. اليوم أنا لا أنغمس في العمل بمقدار الإنغماس في ذاتي وعالمي وأختار ذلك.

نعم العمل عبادة، لكن لا يجب أن يلهينا عن العبادة.
إعجابإعجاب