قبل أيام كنت أقرأ رواية مكتبة ساحة الأعشاب، وهذه الرواية فيها معاني جدًا جميلة، الرواية تقوم على دور شخصية اسمها ناتالي، افتتحت مكتبة أسمتها مكتبة ساحة الأعشاب، يمر بها أشخاص طبيعيين جدًا كجميع الناس لديهم مشكلات حياتية، تنصحهم بكتب تساعدهم بحل مشكلاتهم بطريقة أو بأخرى، شخصية ناتالي رائعة جدًا والرواية مليئة بالحكم والمعاني وأنصح بقراءتها
وهنا سأقتبس قصة من القصص المضمنة في الرواية، هذه القصة هي درس مهم من دروس العلاقات وعادة أنا أهرب من هذا الموضوع لأني أرى دائمًا أن للعلاقات بعد انساني كبير له قدسيته والإدلاء برأي عام قد يكون صعبًا ومخيفًا، ولكن قد يكون الدواء أمامك، أما طريقة استخدامه فهذه مسؤوليتك على كل حال.
دخلت سولانج المكتبة هي وزوجها وطلبا كتب معينة عن النباتات والحدائق، لم تكن هذه الكتب متوفرة وبطبع الباعة يحبون أن يخلقون حديثًا مع عملائهم، سألتهم إن كان لديهم حديقة كبيرة ، ردت سولانج أنها تريد أن تقيم بستانا للخضروات، لكن زوجها لوك يعتبره ليس جميلا.
صارت سولانج تكرر الزيارة على المكتبة من فترة لأخرى وتقتني الكتب الخاصة بالبستنة، ولكن حين زارت المكتبة في الربيع كانت عصبية جدًا وتبدو على ملامحها الحزن، سألتها ناتالي الكتبية إن كانت راضية عن غرساتها! كانت سولانج تتحدث وبين كل جملة وأخرى تقول لوك يعجبه ذلك ، لوك قرر ، ….. وتخبر عن رأيه لا رأيها!
عادت سولانج للمكتبة في سبتمبر وكانت المكتبة خالية من الزبائن وقد تهدلت ملامح وجهها وبدا الحزن عليها وكانت المرة الأولى التي لم تتوجه فيها إلى جناح كتب البستنة والحدائق بل إلى كتب التطوير الذاتي! أخذت سولانج كتاب من هناك ثم اتجهت للكتبية وفتحت حديثًا معها وكيف كانت اجازتها والضيوف الذين كانوا عندهم وشجيراتها التي خيبت أملها
كان وجهها شاحبًا، قالت ناتالي : الأمور إذن لا تسير على ما يرام، لم يحتج الأمر لأكثر من هذه العبارة حتى انهارت سولانج باكية وبدأت في سرد كيف كانت الأشياء بكلمات متقطعة ومتداخلة مع تأزم الكثير من الأشياء، حفيدها الذي سقط من الدرج، الأشياء التي تعطلت في المنزل، الغسيل المكوم وغيرها الكثير من الأشياء.
عندما هدأت سولانج ادركت ناتالي أن أمامها امرأة منهكة بسبب أنها قضت عطلة كاملة في خدمة الآخرين فقط! وهنا الاقتباس الذي أود مشاركته
” التقيت نساء جميلات جدًا ناضجات وكان منبع جمالهن من كونهن لم يتوقفن أبدًا عن أن يكن أنفسهن ، يؤازرهن نشاط مستقل تمامًا عن أنشطة أزواجهن “
سألت ناتالي ” أتحبين البستنة سولانج؟ ” ردّت سولانج : أكيد
قالت ناتالي أعيد السؤال مرة أخرى أتحبين البستنة لأنك تحبين أن يمتدح لوك عملك ؟ أم تحبينها لأجل أنك تحبينها؟
– لست أدري ولكن أحب الطبيعة وأغصانها ورياحها والقرب منها
– لكنك تحدثيني عن الطبيعة وليس عن الحديقة، عالم مزروع حيث لا وجود لأي شيء من تدخل الإنسان!
– صحيح أنت على صواب ولكن لماذا تسألين؟
– لأني أعتقد ما أوصلك لهذه الحالة هي أنك زرعت حديقة من أجل غيرك ونسيتي أن تزرعي حديقتك أنتِ
” كم هو سهل أن يسمح الإنسان لرغبات الآخرين أن تبتلعه ويبلغ ذلك حدًا لا يعود معه قادرًا على تحديد رغباته الشخصية “
تقول ناتالي : ” أدين بالعرفان لناثان لكونه ظل دائمًا شديد الحساسية في هذا الموضوع، أتذكر توجيهاته التي كان يعرف كيف يبديها في الوقت المناسب ” لكن هل أنتِ أيضًا راغبة في ذلك؟ أتقومين بهذا من أجلي أم من أجلك كذلك ؟ لن أحبك أقل لو أنك فعلت أمرًا يعجبك”
” الحرص على إرضاء الآخر عندما يصير شرطًا في كل تحرك وليس اختيارًا يقوم به المرء في كامل وعيه يتحول إلى مصيدة “
كم من نساء رأيتهن يضحين بمسيرتهم المهنية وحياتهن الشخصية لأجل العناية بأطفالهن، في البداية تكون الأمور على ما يرام ويبادلونهن الأطفال الحنان ثم يكبر الصغار ويصبحوا مستقلين فتشعر الأم أنها لم تكن إلا مدبرة منزل! يكون الاستيقاظ عنيفًا حينها!
قاعدتين الحب الذهبيتين:
١. يجب أن لا يعذب الحب.
٢. يجب أن يقوم الحب على الزيادة وليس على النقص.
” عندما التقينا أنا وناثان كان يعشق الجبل ولم أكن كذلك، أشعر بالخوف ما زن يكون المنحدر صعبًا ولا أحب رؤية الأجراف الكبيرة التي يعجب بها اتفقنا ينطلق هو إلى الجبل وأنا قوم بتمارين اليوغا التي لم تكن تعجبه في المقابل قد اكتشف السينما بفضلي أنا واكتشفت الفن المعاصر برفقته “
” أحيانًا يتوجب علينا أن نقدم تنازلات لكننا نحرص على أن نناقش الأمر بشكل كافٍ حتى تصبح تلك التنازلات علامة حُب وليس دينًا معلقًا “
أواجه الكثير من السيدات بنفس المشكلة تشعر بالأسى على نفسها، وأنها لم تقدر بالشكل الكافي، أتجنب الحديث عن هذا الموضوع خشية أن لا تُمسك العصا من المنتصف فنجد الإفراط والتفريط
قومي بواجباتك تجاه أسرتك على أكمل وجه ولكن أوجدي مساحة ولو صغيرة لنفسك، تقومين فيها بمهام تحبينها الأمر يحتاج منك تنظيم للوقت واختيار الحل الصعب، السهل هو الذوبان في مهام كثيرة وفيمن حولنا ولكن الصعب أن نبقى في المنتصف لكي نتمكن بأن نعطي إلى ما لا نهاية.
قد يحدث الذوبان في أي علاقة كانت حتى في علاقات الصداقة فجأة تجد أنك لست أنت، قد تغير الأماكن التي تحبها وترتادها أو تنسى هواياتك واهتماماتك، تتغير موسيقاك وكتبك وأفلامك، ثم في وقت تشعر أنك تعيش حياة لا تشبهك أبدًا
هذه علاقة لن تستمر غالبًا، والصحيح أن نظل عالميْن، بيننا أمور مشتركة ومنسجمة، لا أن تذوب عوالمنا في بعضها أو بالأصح يذوب عالم شخص داخل عالم آخر! المسألة تحتاج لموازنة كبيرة وأن تحكم عاطفتك وعقلك لتوجد مساحة ولو بسيطة خاصة بك.
آخر اقتباس سأشاركه ويعد درسًا مهمًا من دروس العلاقات، ثلاثة كلمات ضرورية لإنجاح أي علاقة واستمراريتها
” شكرًا ” لكي لا تعتبر أن أي سلوك لطيف هو عادة
” من فضلك ” لكي لا تتحول الطلبات إلى أمر مع الزمن
” عذرًا ” لأنه من المستحيل أن نقضي حياة كاملة بدون أن نسيء لبعضنا.
لامستني القصة لأنها تعد جزء مهم من الرسالة التي أقدمها في الدورات وجلسات الإرشاد ، وجزء آخر من الأحاديث التي تدور بيني وبين صديقاتي، وكيف أرى أن هذا الوعي قد أنجح بفضل الله علاقات كثيرة وأخذها لبر الأمان!

شكرا لك خلود،
ونعم هذه الرواية من أجمل ما قرأت، نقلتني لعالم اخر، وعندما انتهيت منها اردت شيئا في نفس مستواها..
إعجابإعجاب