سطوة المزاج

ليست كل الأيام جيدة ليتناول الكاتب قلمه ويكتب، والأمر لا يتعلق بوجود الفكرة، حيث أن الأفكارتعصف في ذهن الكاتب لدرجة أنه يشعر وكأنها تتقافز في ذهنه (كالفشار) ولا يمكن السيطرة عليها باغلاق النافذة مثلًا !

والحقيقة يعاني الكاتب بشكل كبير من ترويض مزاجه ليكون صالحًا ومتأهبًا للكتابة،

كما تصبح الكتابة أحيانًا عملية ثقيلة جدًا كمخاض يعاني آلامه، فيهرب من ذلك ويبتعد، وأحيانًا لا يجد من الطقوس ما تعوّد عليها، وبالذات الذين اعتادوا على الكتابة في الهدوء مثلًا أو بوقت محدد لم تعد تسمح لهم الأيام بتوافره. (وللكتّاب طقوس عجيبة وغريبة) وأحيانًا لا يوجد سبب واضح لتوقفه عن الكتابة!

كما يواجه ضغط خاص من القرّاء حين يبدأ السؤال .. ما الجديد ! وإن لم يكن ذلك فهو يشعر بالتزام كبير نحوهم.

للمزاج سطوته والتي لا يمكن إنكارها، إلا أنه يمكن تهذيبها بالكثير من مجاهدة النفس، وهذا ينطبق على كل الأعمال التي تخضع للإبداع الفكري، والكتابة أوّلها وبالذات حين تكون متصلة بخلجات النفس وخواطرها.

هل يمكن أن يبقى الكاتب رهن مزاجه؟ صعب جدًا وإن فعل فقد دمّر موهبته وقدرته، إذن ما الحل؟

أولًا : يجب أن تتحوّل الكتابة لعملية منظّمة وهذا ما يساعد فعلًا على غزارة الإنتاج، ستمر أيام ستتنازل فيها عن التدقيق وجودة الفكرة في سبيل أن يظل الإيقاع متناسقًا ومستمرًا.

ثانيًا : يتطلّب التنظيم أن توجد مساحة ثابتة ولا تجعل الأمور رهينة الصدفة، ومن تجربتي .. وجدت أن تخصيص وقت يومي للكتابة (صباحًا) وكمهمة أولى (قبل الإفطار) يجعلني أتغلب على سطوة المزاج.

ثالثًا : اكتب لنفسك قبل أن تكتب للجمهور، هذا سيجعلك متحررًا من ألم المراجعة والتدقيق والتنقيح وهنا سترسل نفسك على سجيتها وهذا أكثر راحة مما لو كتبت كل يوم لأجل النشر. اكتب مذكراتك، مواقف حدثت لك، أفكار طرأت في ساعة إلهام، والحياة العامة مليئة بما يستحق التدوين.

رابعًا : قاوم سطوة المزاج، وتذكّر أن اليوم الذي لا ترغب فيه بالكتابة، هو اليوم الذي أنت أكثر فيه حاجة لها! وهذا ميدان مجاهدتك لنفسك. قد يكون المزاج هو العائق الكبير أمام بلوغ المرام، لذلك فإن التغلب عليه ومسايسته أولى من الإلتفات للعقبات الماثلة أمامك في الوقع.

وقد يظهر سؤال آخر هل مزاج الكاتب نفسه يؤثر على كتابته؟ الكتابة هي عملية معالجة للأفكار، والكاتب إنسان يتأثر بتغيرات الحياة وما يمر عليه من خبرات وتجارب، والكاتب الحكيم هو أكثر استبصارًا بنفسه فيعرف إن كان يغلب عليه المزاج السوداوي أو الحالم جدًا فيؤخر نشر ما كتبه أو يعالجه بمنظور آخر وينظر للفكرة وكأنها ليست منه ويقلّب النظر فيها مرات ومرات وبالذات تلك التي تخص الحياة الاجتماعية والشؤون النفسية.

وإن أردت أن تختبر تلك الفكرة فاستحضر اسم كاتب قرأت له بكثرة، وستستطيع بالقليل من التأمل والملاحظة أن تتنبأ بمزاجه العام في الحياة وربما تعرف الحقبة التي كتب فيها وبأي عمر ومرحلة زمنية! وقد تبتعد عن القراءة لكاتب نظرًا لغلبة المزاج السوداوي عليه، وقد ينظر له آخر بأنه واقعي والنقد من زهل الاختصاص يُنبئ بالكثير ولا يقلل ذلك من جهده وقوة صنعته. وعليك أن تعرف بأن كتاباتك ستتحول مع الوقت لسيرة ذاتية عنك.

الرسالة هنا .. اعتنِ بمزاجك.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

رأيان على “سطوة المزاج

اترك رداً على خلود بادحمان إلغاء الرد