الكتابة بالمحاكاة

تعد المحاكاة المرحلة الأولى من أي فن، فبعضهم يتخذ معلمًا يحاكي أسلوبه أو مدرسة ينتهج نهجها، أو طريقة أعجبته فيقلّدها ولا يعد ذلك عيبًا، حيث لا أحد تفوّق إلا وكانت بداياته بدايات محاكاة وتقليد، ولا عجب فهذه طبيعة تنشأ مع الإنسان، فنحن من صغرنا نتعلم بالمحاكاة كما نتعلم بالتلقين أيضًا.

وتحدث المحاكاة بطريقتين : تلقائية عفوية أو طريقة متعمدة، فالتلقائية ناتجة عن التشبع بأفكار الآخر وأسلوبه كما يحدث حين تقرأ لكاتب واحد بكثرة فترى كلماته وأسلوبه يتسلل بشكل عفوي في كتاباتك، والمتعمدة هي اعجاب خالص ومحاولة الوصول لمرتبة ما وعلى أنها مرحلة تُثري إلا أن فيها من التكلف الشيء الكثير ولا بأس به في البدايات شريطة أن لا يستمر.

في الكتابة على الأخص ستكون المرحلة الأولى هي مرحلة الكتابة بالمحاكاة، ستتخذ كاتبًا تنتهج نهجه ( حسب فنك الكتابي ) فإن كنت شاعرًا ستجد أنك متأثر بشعر شاعر سبقك ربما بأزمنة وإن كنت روائيًا أو حتى صحفيًا فسيكون لك ذلك أيضًا، لا أحد يبدأ من خطه وطريقته الخاصة دون أن يتأثر بأحد.

في هذه المرحلة ينبغي أن تكون حريصًا، وإن وجدت أنك تميل ميلًا شديدًا في المحاكاة لدرجة التقليد الملحوظ، فحاول التنويع في اطلاعاتك، لأنه مهما كان الفن الذي تحاكيه رائعًا فلا أحد يريد نسخة جديدة من أحد، نحن نريد نسخات مطوّرة، وكلما اقتربت من ذاتك واظهرت شخصيتك ونبذت التكلّف كان ذاك أحرى بالقبول.

قبل فترة قرأت هذا البيت : ” البدر يأنس بي في ليل مرتحلي ** والأرض تزهر إن حطّت بها قدمي “ شممت في هذا البيت رائحة فخر المتنبي وأسلوبه الشعري، غير أني لا أكتفي بحدسي فبحث أكثر عنه، ووجدت القصيدة كاملة :

البدر يأنس بي في ليل مُرتحلـــــي والأرض تُزهر إن حطّت بها قدمـي
ما امتطي مهرة إلا ويحسدهــــــــا عرش الفراعنة البانين للهــــــــــــرم
قامت لصوت قصيدي كل قافيــــة وأحرفي نطقت والناس في طـــــــرم
أمضي وكل نجوم الكون تتبعنـــي إن يرتقي المجدُ يُمسك عنوة قدمـــي
ما قلت إلا وأصغى الدهر مستمعا لم يطرب الدهر إلا من ندى كلمـــي
أبني المعالي صروحا ثم أتركهـــا وأرتقي بعدها في العزم والهمــــــــم
إذا أراد عدوي ثلم منزلتــــــــــي لم يستمع أذني أو ينتبه قلمـــــــــــــي
ذكري له عرضا في الناس يُكبره وأحرفي تورث العلياء للخـــــــــــدم
وإن رأيت وضيعا سار في عجب ذكرت من حاله الجعــلان في الرمم
كم من فتى لامع في الناس منظره وإن تكلم جوفٌ فـــــــــــــارغ الأدم
لا يأكل الليث إلا صيد مخلبــــــه كيلا تقارن أسد الغاب والبهـــــــــــم

هذه القصيدة ليست للمتنبي!! إنها للدكتور عبد الوهاب آل مرعي نشرها عام ٢٠١٠ وقصتها طريفة جدًا حيث كان له صديق ناقد يمدح المتنبي دائمًا ويبالغ في مدحه لدرجة أنه لا يرى أشعر منه ولا يمكن لأحد أن يأتي بما أتى به، وتدور النقاشات الأدبية دائمًا حتى بلغ به أن فكّر في أن يحاكي شعر المتنبي ويأتي ليسمعه صديقه دون أن يخبره أنه هو من نظم هذه القصيدة، جاء اليوم وسمع صديقه القصيدة وهللّ وكبّر لروعة شعر المتنبي حتى فاجأه أن هو من نظمها!

القصة رائعة وتجدونها كاملة هناhttps://wahab10.wordpress.com/2010/05/14/%D9%82%D8%B5%D8%AA%D9%8A-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%86%D8%A8%D9%8A-%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%B1%D8%A9/

الشاهد من القصة هو القدرة على المحاكاة للأسلوب مهما عظم، وهو ممكن غير محال مهما عظمت موهبة الآخر.

قدرتنا على المحاكاة هي نعمة عظيمة، لا تنفر منها بغية أن يكون لك فنك الخاص، تدرّج في صقل موهبتك واقبل مرورك بكل مرحلة إلى أن تتفوق على نفسك. المحاكاة تقوّي أسلوبك، وتجعل لك خطًا تمشي عليه فيرشدك، وشيئًا فشيئًا لن تطيق أيها المبدع أن تبقى مسجونًا فيها بل ستظهر شخصيتك المستترة وترينا فنّك وطريقتك.

أخبرني عن فنّك ؟ ومن الذي كنت تحاكيه في بداياتك ؟

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

3 آراء على “الكتابة بالمحاكاة

  1. جميل
    أنا أعتبر كتاباتي بسيطه و لا أفتكر أنه لدي شخص أتبع نهجه أو طريقته
    غير أني ألاحظ أن كتاباتي تشبهني وهذا ما أسمعه من الغير أيضًا
    لكن في حال القراءه لها تأثير قوي على الكتابه
    أميل لقراءة الكتب التطويرية والتوعوية أكثر من كتب الروايات والخيال

    إعجاب

أضف تعليق