رواية “دروس الحُب”

نادرًا ما أقرأ الروايات إلا إذا كانت ذات بُعد فكري وفلسفي عميق، وأحب مشاركة الكتب التي أجد أنها خطت مسارات فكرية واضحة في عقلي وجعلتني أفكر بمنظور جديد أو رسّخت معنى كنت أؤمن به.

دروس الحب هي رواية للكاتب والفيلسوف آلان دو بوتون وتعد رواية مليئة بالحكمة وتجسد النظرة العميقة للحب الرومانسي في روعته ومخاطره ضمن منظومة الزواج، مع تحفظي على (أجزاء مما في الرواية والذي لا يتبع لمنظومتنا الدينية ولا الأخلاقية)، لذلك فقراءتها تتطلب مستوى عالي من النضج والقدرة على إلتقاط البُعد الفلسفي والمعنى العميق للفكرة والنظر فيها نظرة المحلل والناقد.

إن الحب مهارة، لا فيض حماسة

آلان دو بوتون

أكثر ما أعجبني في طرحه هو واقعيته، حيث لا يمثّل الحياة بشكل وردي حالم، إنما يأتي بكل جوانبها الجميلة والكارثية أيضًا مع شرح وإيضاح لما يحدث وكيف نتجاوزه.

ليس ما ألفنا أن نسميه حُبًا إلا بداية الحب، لا أكثر

– آلان دو بوتون

تبدأ القصة حين يلتقي رابح بكيريستن، تلفته عاديتها بطريقة غريبة وشيء ما يجذبه نحوها، يشعر أن هذا الشعور المثالي تجاه الشخص الذي يسمى “شقيق الروح” نظن أن هذه هي البداية لكن ..

” لا يبدأ الزواج بعرض الزواج، ولا حتى في اللقاء الأول، يبدأ قبل ذلك بزمن طويل، يبدأ عندما تولد فكرة الحُب وعلى نحو أكثر تحديدًا، يولد مع الحلم بشقيق الروح “

– آلان دو بوتون

فعلًا يبدأ بالأفكار السابقة والآمال، بالعقد التي يحملها الأشخاص، بعلاقة الأم بالأب وكيف كانت، يبدأ قبل أن تلتقي بالشخص الآخر.

تقسّم فصول الرواية لخمسة أقسام ( رومانسية ، طيلة العمر ، الأطفال ، الخيانة الزوجية ، ما يتجاوز الفلسفة الرومانسية ) وبداخل كل قسم يتناول العديد من الموضوعات، وحين تقرأ ستخرج بتصور عميق لنفسك وللحياة والعلاقات وكيف نفكر ونشعر، بطريقة ربما لم تكن تخطر على بالك.

” والظاهر أننا نعرف كثيرًا جدًا كيف يبدأ الحُب، لكننا لا نعرف عن كيفية استمراره إلا قدرًا قليلًا إلى حد خطير “

– آلان دو بوتون

من المفاهيم العميقة للحب هي أن الإعجاب بصفات الآخر تساعدنا بتصحيح نقاط ضعفنا واختلالنا، فالحب يبحث عن الكمال “والزواج لا يهب دروسه إلا لمن انتسبوا إلى مدرسته”، وكل المشكلات التي تحدث فيه ما هي إلا عمليات تصحيح وتوازن ، لذلك غالبًا نحن نحب من يعاكس طبيعتنا لنتعلم ونصحح وإن لم تظهر الفروقات بالبداية.

” نظن أننا نلتمس السعادة في الحب، لكن الألفة هي ما نسعى إليه في حقيقة الأمر “

– آلان دو بوتون

ينطلق في أحد الفصول ليناقش أهم فصول الحياة وهو الغضب للمشكلات السخيفة والكبيرة، وكيف نفهم هذا الغضب، وردات الفعل القادمة من الطفل المنسي في الأعماق والتصرف المنطلق من ذوات قديمة، وكيف تُفَسر مواقفنا وصمتنا وما لا يقال أو ما يقال.

ماذا تفعل ضغوط الحياة بنا؟ أو نجاح الطرف الآخر؟ أو مقارناته اللامقصودة؟ أو علاج بعض المشكلات بالسخرية؟ ماذا يحدث حين نستقبل أفراد جدد في العائلة؟ وكيف تصير الحياة؟ وماذا لو اضطررنا لتوجيه شريكنا؟ فضلًا عن منعطفات الحياة الأخرى وما يمكن أن يحدث بها، وكيف يتم إنقاذ هذه العلاقة دائمًا.

يناقش المؤلف في الفصل الأخير قضية الاستعداد للزواج فيقول ” في وقت من الأوقات كانوا يعتبرونك جاهزًا للزواج عندما تُحرز وضعًا متعارفًا عليه من الناحيتين المالية والإجتماعية : بيت باسمك وجهاز كامل للعروس ومجموعة شهادات أو بضع بقرات ورقعة أرض تزرعها، ثم لم تلبث هذه التفاصيل أن صارت معتبرة إفراطًا في الجشع والنزوع المادي، ثم انتقل التركيز إلى الخصائص العاطفية والشعورية وصاروا يعتبرون أنه من المهم العثور على المشاعر الصحيحة ” ثم يرينا آلان الواقع ويقول ” اعتبار أي شخص كامل فهذا لا يمكن إلا أن يكون دليلًا على فشلنا في فهمه، فنخن غير قادرين على الزعم بأننا بدأنا نعرف شخصًا إلا بعد أن يخيب آملنا تخييبًا عميقًا ”

أود لو أن أشارك كل الأفكار العميقة والإقتباسات الملهمة التي وقفت عندها، ولكن الرواية تستحق القراءة والفهم والمناقشة مع أشخاص ناضجين وأشدد على مسألة النضج، تستطيع رسم مسار فكري وفلسفي عن الحياة الواقعية دون تشويه وليس كما ينقل من مشاهد الحب في الأفلام ومنصات التواصل الإجتماعية حاليًا، وكما يقول آلان دو بوتون إذا وجدنا عدم تطابق بين الفن والحياة فالخلل في الفن وليس في الحياة.

أما الاقتباس الصادم والذي أختم به فهو …

” من هنا فإن اختيار من نتزوجه ليس إلا مسألة تقرير نوع المعاناة الذي نجد أنفسنا راغبين في تحملها “

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

رأيان على “رواية “دروس الحُب”

اترك رداً على فاطمة العنزي إلغاء الرد