فلسفات العمل العميق

أستقبل الكثير من مستفيدي الإرشاد والتي تكمن مشكلتهم في تذبذب مستوى الإنتاجية أو وصولهم لإنجازات غير مرضية بالنسبة لهم، وأعرف جيدًا أن كلمة سر بوابة النجاح هي الإنتاجية المنتظمة، وما ينقص دائمًا هو العمل العميق والتخفف من المشتتات المحيطة والتي لا جدوى من الكثير منها.

في هذه المقالة سأستعرض جزئية مهمة من كتاب “عمل عميق” للمؤلف كال نيوبرت، تتحدث عن فلسفات العمل العميق.

” سوف أعيش حياة التركيز، لأنها أفضل أنواع الحياة “

– وينفريد جالاهير

دعونا نتفق في البداية، لا يمكن أن تكون ناجح مبدع ومشتت في آن واحد، أقصد بالتشتت هو أن تقاطع عملك مثلًا بتصفح مواقع التواصل، أو أن تعمل في بيئة صاخبة مفتوحة طوال الوقت، أو تنجز مهمتين وأكثر بنفس الوقت (وتعتقد أنها احترافية)، أو أن تتعرض للمقاطعات بشكل مستمر وهذا ما سماه المؤلف بـ ” العمل السطحي”.

ليس سهلًا أن تقطع تركيزك ثم تعود به لنفس المستوى، وليس سهلًا أيضًا أن تدخل في نفس الحالة من العمق وتتطلب لمجهود ذهني كبير، إلا أنه سيوصلك للتميز والنجاح في مجالك.

ستصل للإبداع والتميز حين ترفع من مستوى تركيزك في العمل لأقصى درجة، أعرف بأن بعض الظروف قد لا تساعد على التركيز في العمل بالذات إذا كنت مثلًا تعمل في المنزل أو في بيئة مفتوحة، لذلك سأسعترض هنا الفلسفات الأربع للعمل العميق التي ذكرها كال نيوبرت في كتابه، وما عليك سوى أن تختار ما يناسبك تبعًا لظروفك.

  • الفلسفة الأولى : فلسفة الإعتكاف

هذه الفلسفة مناسبة لأولئك الذيم يحددون هدفًا مهنيًا جيدًا وذو قيمة عالية ويسعون لتحقيقه، والجزء الأكبر من نجاحهم يعتمد على العمل بكفاءة استثنائية. يذكر المؤلف عن كاتب الخيال العلمي “نيل ستيفنسون” بأنه إذا قمت بزيارة موقعه الإلكتروني فلن تجد أي عنوان مراسلات، وقد كتب مقالتين يوضح فيها أن مقاطعته تهبّط من مستوى انتاجيته وقد عنون أحدها بـ “لماذا أنا مراسل سيء؟”

يرى ” ستيفنسون” أنه أمام خيارين: الأول أن يتمكن من كتابة روايات بمعدل منتظم والثاني أن يرد على البريد ويحضر المؤتمرات وبالتالي معدل روايات أقل جودة وانتاجية، وقد اختار الخيار الأول ويتطلب منه هذا الخيار أن يلتزم بفلسفة العمل العميق التي اختارها، وهي ” الإعتكاف “

هذه الفلسفة قد لا تناسب طبيعة عملك أو ظروفك الحالية وبالتالي ستكون غير مجدية، وغالبًا الأشخاص الذين تنطبق عليهم هذه الفلسفة محدودين جدًا ولا مشكلة إن لم تكون منهم.

  • الفلسفة الثانية : فلسفة الإزدواجية

تتطلب هذه الفلسفة منك أن تقسّم وقتك بين فترات محدودة للعمل بعمق وتركيز عالي وبين أن يكون هناك وقت آخر متاح لأي شيء، فمثلًا ٤ أيام للعمل بعمق وباقي أيام الأسبوع يكون وقتك متاح لعمل أي شيء تريده.

في ساعات العمل بعمق لا يمكنك الرد على بريدك أو هاتفك أو تصفح مواقع التواصل، أنت تعمل بعمق وتركيز عالي وحسب، كما أنه يجب أن تكون هذه الفترات معلنة بوضوح لمن حولك، فالناس تحترم حقك في العزلة والعمل بتركيز خلال هذه الفترات إذا كانت تعرف توقيتها وكيف يمكنها التواصل معك بعدها.

هذه الفلسفة قد تكون جيدة للبعض، ولكنها تظل صعبة مع الإلتزامات الأسرية مثلًا، أو إن كانت طبيعة عملك تتطلب التواصل مع الناس، لذلك فهي لا تناسب عدد كبير أيضًا.

  • الفلسفة الثالثة : فلسفة التناغم

وهذه الفلسفة التي أعمل بها وأحبها جدًا وتناسب ظروفي وطبيعة عملي، هي دمج العمل بعمق في الحياة عن طريق تحويله لعادات منتظمة بسيطة. وتنص الفلسفة على قاعدة ” أنجز عملك يوماً بيوم” مع وضع علامة “صح” على كل ما جدولته لتنجزه، وإيقاف كل المشتتات أثناء العمل.

وضع روتين صارم للعمل العميق مهم جدًا في هذه الفلسفة، عن نفسي أخصص من ساعة إلى ساعتين للكتابة يوميًا بعد الإفطار وقبل النظر لأي مشتت كمواقع التواصل مثلًا.

هذه الفلسفة تناسب الأشخاص الذي لا تمكنهم وظائفهم من الإختفاء لأيام، ويحتاجون التواصل مع الناس بشكل مستمر، كما أن هذه الفلسفة هي الأكثر شيوعًا لمناسبتها لظروف الأغلبية وطبيعة العمل.

حدد أهدافك المهنية، مقدار وقت التركيز عليها، تابع أدائك وقد تحتم عليك هذه الفلسفة أن تستيقظ مبكرًا وقبل الجميع أحيانًا، عليك أن تتصرف إذا كنت تريد أن تنجح.

  • الفلسفة الرابعة : فلسفة الصحافة

هذه الفلسفة تناسب الذين يعملون مثلًا في وظائف أو ربات منزل ولديهم أهدافهم الخاصة، فهم يدخلون في حالة من العمل العميق متى ما وجدوا الوقت المناسب ووقت الفراغ.

أعرف أنه من الصعب تغيير الحالة الذهنية بسرعة والانتقال من عمل لعمل مختلف آخر، وقد أتبنى هذه الفلسفة في أيام انشغالاتي الكبيرة والحقيقة أنها مرهقة ولكنها تعتمد على إيمانك بقدرتك وقناعتك بضرورة ما تفعله.

كل هذه الفلسفات تتطلب منك أن تضع طقوس معينة كأن تعرف مثلًا أين ستعمل، وكيف وما الأمور التي سترتبها كأن تصنع القهوة وتفصل اتصالك بالإنترنت أو أن تغلق جوالك – كما أفعل -، وكيف تحافظ على طاقتك خلال العمل، والحاجيات المهمة التي يجب أن تكون في متناول يدك .

الحقيقة أن فلسفات العمل بعمق تحتاج أن تعمل على هندستها لتخرج بالفلسفة المناسبة لك ولظروفك وطبيعة عملك، ولكن تأكد أنه لا يمكنك النجاح بتميز إن كنت مشتتًا.

أخيرًا

حرصت على إفراد تدوينة عن فلسفات العمل العميق لتختار ما يناسبك فتكون نقطة التحول في عملك، ورغبة في الإشادة بكتاب العمل العميق لكال نيوبورت، وتقديم التوصية لقراءته، أثق تمامًا أنه من الكتب المهمة والتي ستساعدك في تحسين انتاجيتك ونقلك لمستوى أفضل من العمل المتميز.

الكتاب عميق في طرحه وأسلوبه أنصحك بقراءته.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

3 آراء على “فلسفات العمل العميق

  1. التنبيهات: “نونه” – LAVENDER
  2. مراجعة مميزة لكتاب (العمل العميق). أعجبني الأسلوب أيّما إعجاب. أحب أن أضيف هنا فلسفة لطيفة أحبها وهي: الالتزام اليومي دون ضغط الموعد النهائي، وقد ذكرها الزميل يونس بن عمارة في تدوينته (الفعالية الرهيبة للالتزام اليومي: قصة نجاح تايب سَنس) أجدها متوافقة تمامًا مع فلسفة التناغم التي تفضلتِ بذكرها.

    Liked by 1 person

أضف تعليق