بصفتي أولًا شخص يفكّر ويقترح ويعبّر على الدوام فإنه كثيرًا ما يُعزى إلي دور رسم التصورات ووضع والخطط وأظن أحيانًا إنهم يتقصدوا يشغلوني فيها والله أعلم ههههههههه أو إن الصورة اللي بعقلي مو واصلتهم لكن الكلام زي الفل، وبصفتي ثانيًا حالمة وواقعية وناقدة في آن واحد ـ ولا أعرف كيف أجمع بينها ـ فإنه يتردد سؤال مستمر بيني وبين نفسي … هل يجب أن أرسم التصور وأخطط حسب الواقع مثالي، أم أكيّف الطموحات مع ما هو متاح من موارد؟ وبالذات إن كنت سأعرض الفكرة أو الخطة على صاحب قرار فدائمًا أتخيل إنه صوته الداخلي يقول “كل النااااس بصوووب وخلود بصوب” ههههههههه وطبيعي جدًا.
وبعيدًا عن المزاح … في الحقيقة كنت دائمًا أختار وصفتي الخاصة وهي أن أرسم التصور والخطة وفق ما يجب والوضع المثالي كي لا أقيد أحلامي ولا أفقد حماسي وشغفي ثم في المستوى الثاني أنزل لأرض الواقع وأوائم خطتي مع الواقع بما فيه من مزايا وتحديات مختلفة.
ومن خلال التجارِب تعلمت أن التخطيط الذي يفترض واقعاً مثالياً هو وصفة مؤكدة للفشل فالواقع متغير ومليء بالتحديات، ومن ناحية أخرى، التخطيط الواقعي المفرط قد يقتل الإبداع ويحد من النمو، ويكمن النجاح في بناء جسر متين بين أحلامنا الكبيرة وخطواتنا على الأرض.
تتبنى ديزني استراتيجية إبداعية تتضمن ثلاث مراحل:
- الحالم (The Dreamer) يطلق العنان للأفكار الكبيرة دون قيود، يسأل: “ما هو أقصى ما يمكننا تحقيقه؟”.
- الواقعي (The Realist) يحوّل الأفكار إلى خطة عمل. يسأل: “كيف يمكننا تحقيق ذلك عملياً؟”.
- الناقد (The Critic) يختبر الخطة ويحدد نقاط ضعفها. يسأل: “ما الذي قد يفشل؟ وكيف نستعد له؟”.
هذا التناغم بين الأدوار هو أساس التخطيط الناجح، وستضطرك مشاريعك الشخصية أو طبيعة الشركة التي تعمل بها أن تعمل أحيانًا بهذه الثلاث عقليات سويًا.
ولأن وجود الثلاث عقليات غالبًا ما تكون ضرورة ملحّة، دعونا نتناول 5 نماذج عالمية تساعدنا لتحقيق التوازن في التخطيط
1. نموذج التخطيط المتدرج
(المصدر: A.G. Lafley & Roger Martin – Playing to Win)
يبدأ هذا النموذج من قمة الحلم ويتدرج إلى قاعدة الواقع، ويطلب منك الإجابة عن سلسلة من الأسئلة المترابطة التي تحول الرؤية إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ وهي:
- ما هو طموحنا للفوز؟ (الرؤية المثالية)
- أين سنلعب؟ (تحديد السوق والجمهور)
- كيف سنفوز؟ (تحديد الميزة التنافسية)
- ما هي القدرات التي نحتاجها؟ (الموارد والمهارات)
- ما هي الأنظمة الإدارية المطلوبة؟ (الهياكل والعمليات لدعم التنفيذ)
وهنا نتعلّم أنه لا يكفي أن تحلم بالفوز، بل يجب أن تبني خطة متدرجة لكيفية تحقيقه بالموارد المتاحة.
2. إطار عمل McKinsey 7S
يوضح هذا النموذج أن الواقع لا يقتصر على الميزانية والمعدات فقط، إنما نجاح أي خطة يعتمد على توافق سبعة عناصر:
- العناصر الصلبة (Hard): الاستراتيجية (Strategy)، الهيكل (Structure)، الأنظمة (Systems).
- العناصر الناعمة (Soft): القيم المشتركة (Shared Values)، المهارات (Skills)، الأسلوب (Style)، والموظفون (Staff).
وهنا ندرك تمامًا أنه حتى مع محدودية الموارد المادية، يمكن لثقافة قوية ومهارات متفوقة وقيم مشتركة أن تخلق قوة دافعة هائلة لتحقيق أهداف طموحة والعكس صحيح، لذلك موائمة الخطة مع كل جوانب الواقع ضرورة كبيرة.
3. نظرية القيود: حوّل العائق إلى نقطة تركيز
(المصدر: Eliyahu Goldratt – The Goal)
بدلًا من أن تعيقنا القيود، تدعونا هذه النظرية إلى تحديد القيد الأكثر تأثيراً والذي يمنع النظام تنفيذ الخطة، ثم، يتم تركيز كل الجهود الإبداعية على إدارة هذا القيد أو كسره.
المبدأ هو فكّر بشكل مثالي، ونفّذ بذكاء واقعي.
لا تتوقف بسبب وجود قيد، اجعله محور استراتيجيتك المؤقتة. حل هذا القيد سيفتح آفاقاً جديدة للنمو لم تكن ممكنة من قبل.
4. التخطيط الرشيق (Agile): رؤية كبيرة، خطوات صغيرة
(المصدر: Harvard Business Review, Agile at Scale)
المنهجية الرشيقة هي التجسيد العملي للمرونة.
- الرؤية وقائمة المهام (Vision & Backlog): تمثل الحلم الكامل والطموح المثالي.
- الدورات التنفيذية (Sprints): تمثل الواقعية المطلقة، في كل دورة قصيرة (أسبوعان مثلاً)، يسأل الفريق: “بناءً على ما هو متاح الآن، ما هي أهم خطوة يمكننا إنجازها؟”.
حافظ على رؤيتك الكبيرة، لكن نفذها في خطوات صغيرة ومركزة وقابلة للتكيف، هذا يسمح لك بالاستجابة للمتغيرات بدلاً من الالتزام الصارم بخطة قد تصبح قديمة.
5. قاعدة Drucker المعروفة .. فكّر بعيداً، وتصرف الآن
(المصدر: Peter Drucker – The Practice of Management)
تلخص هذه المقولة الحكمة كلها:
“Plan for the long term, but act in the short term”
استخدم عقلك الحالم لوضع رؤية طويلة الأمد تلهمك وتوجهك، وفي نفس الوقت، استخدم عقلك الواقعي لتحديد الإجراءات الملموسة التي يمكنك اتخاذها اليوم وغداً لتقترب من تلك الرؤية.
هندس واقعك ولا تسجن نفسك فيه
التخطيط الفعال ليس صراعاً بين المثالية والواقعية، بل التناغم بينهما. ابدأ برؤية جريئة تكسر المألوف، ثم ارتدِ قبعة الواقعية لتبني جسراً مرناً وقوياً يوصلك إلى هناك، خطوة بخطوة. كن حالماً في طموحك، وواقعياً في تنفيذك، ورشيقاً في استجابتك.
أخيرًا .. الإلهام في ظل محدودية الموارد هو الاختبار الحقيقي للإبداع، لأن الإلهام لا يولد من الوفرة، بل من القيود التي تدفعنا لإعادة تخيّل الممكن.
