حُبًا وكرامة

أكتب اليوم في معنى “حُبًا وكرامة” وكيف ينتشي المرء لأوامر أحبابه التي لا تصبح أوامرًا، بل ننتقل لمستوى أعلى يجعل من أمامنا متفهمًا وعاشقًا قبل أن يكون طائعًا.

يراني والدي غالبًا منهمكة في العمل، فيسألني ” فاضية تسوي لي شاي؟ ” أرد مباشرة ” انت تؤمر أمر ” يرد والدي ” ما يؤمر عليك عدو ” أجيب ” ولا حبيب يا بابا ” يصمت لبرهة ثم يقول ” ولا حبيب ” !! يتكرر هذا المشهد كثيرًا وأحبه جدًا.

تظل الأوامر ثقيلة على النفس ما لم يكن أساسها مبنيًا على الحب والعطاء المتبادل، وبرأيي قد تحدث سلطوية الأوامر حتى من الأحبة وأقرب قريب إذا انعدم الانسجام والتفاهم، فتتحول الحياة من مشاركة وطرح لأمورها على طاولة الحوار إلى علاقة أوامر تُلقى والمطلوب أن تُنفذ دون نقاشٍ يتخلله مساحة الرأي والتشارك!

نشأت في بيت لا يعطي الأوامر صراحةً، إنما يضعها في قالب مناقشة الدافع المنطقي لفعلها والترغيب فيها أو الترهيب من مآلات اهمالها، يحرّك أفراده الحُب والمنطق نحو العمل والإلتزام بشؤون الحياة المختلفة سواء كانت الخاصة أو العامة، إلا أنه ومع الوقت اكتشفت أن ذلك أورثني عدم القدرة على إلقاء الأوامر مباشرة، وعدم تقبلها بطريقة رأسية من فوق لأسفل ما لم تكن مهذبة، بينما اكتسبت من ذلك مهارة الإلتزام وتحمل مسؤولية نفسي ومهارة التأثيرعلى الآخرين أيّما كان نفوذهم، والقدرة على القيادة بكاريزما الفكرة والكلمة والخبرة والسمت لا بالسلطوية.

ويستحضرني هنا قول أحمد بهجت رحمه الله عن الآية ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ )  قال ” لا تأتي الأشياء طائعة إلا إذا كانت عاشقة “ وهذا ينطبق على علاقاتنا المختلفة أيضًا والتي يحكمها جزء من القيادة.

فإن غاب الحُب أو تخلله الخوف جاءت السلطوية وصارت العلاقة رأسية لا أفقية وتملؤها الأوامر، وقد تكون طاعة شكلية وحسب تعتمد على وجود الرقيب، فإن لم يكن حاضرًا فلا سمعًا ولا طاعة، أما الحُب فله القدرة على خلق المبادرة والتفهم للرغبات من دون الأوامر، والشعور بالرقابة الداخلية التي يستحثها القيم والمنطق والعاطفة.

في اقتباس قرأته ولا أدري للأسف من صاحبه، يقول ” لا شيء يجعل الفتاة سوية النفس والعقل والمذهب، مكتملة الأنوثة والدلال، حرة أصيلة، مثل وجود رجل حقيقي ذو مروءة وعقل، هين سهل في حياتها، سواء أكان ذلك الرجل أبًا أو أخًا أو زوجًا. (وهنا الشاهد) لذلك دائمًا البيوت المبنية على المودة والتفاهم لا الندية والتربص ومبدأ الغالب، تربي حرائرًا وأحرارًا لا يبغي أحد على الآخر، كل هذا الفساد المترامي الذي تراه عينك منبته من البيوت الخربة ” وهذا لا ينطبق على الفتاة وحسب بل على الجنسين، حين نخرج عن إطار الندية نحو إطار أكثر رحابة ومرونة وهو إطار الحب والفهم والتفهم.

من السهل جدًا أن تلقي الأوامر وأن لا تناقشها، من الصعب أن تقود بالحكمة وبالحب ويتطلب الأمر منك عناءً وتصبرًا سواء كان في بيتك أو عملك، ولكن النتائج تظهر على المدى البعيد حين ترى شجرة حكمتك وهي تثمر لك وتتحول لظل وارف تستظل به من حر الأيام.

أكتب اليوم هذه التدوينة لسببين : لامتناني العظيم للبيت الذي نشأت فيه، ولا أعرف كيف أوفي والديّ حقهما، وليقيني أننا نحتاج لنتعلم أكثر وأكثر عن القيادة بالحب والكاريزما، لا بالسلطة، وذلك لنستطيع تحقيق مفهوم القدوة ونشر الفضائل.

مؤخرًا قرأت كتاب ” فن النفوذ الصامت ” وحقيقة أعجبني هذا المصطلح وكيف يمكن للمرء أن يبسط نفوذه وتأثيره من خلال حتى الصمت، والكلمات القليلة ولكنها المؤثرة والمدروسة بعناية.

الحكايا والمواقف هنا كثيرة، ومازلت أتذكر زميلاتي أيام الدراسة حين يرين كيف أسارع بالخروج وقت الانصراف فيسألنني إن كان والدي شديد العصبية، فكنت أقول “لا، لكن الشمس شديدة وهو ينتظرني”، لا فضل لي هنا، بل هي القيادة بالحب وكيف تثمر بالمقابل حُبًا وأنسًا.

أكتب هنا لتوثيق هذه القصص، لرد شيء من الجميل، لأظل أتذكرها دائمًا وأطبقها في تعاملاتي، وأمنحها من حولي كدروس علّها كانت إضاءة ولفتة لكل من يمر ويقرأ.

دائمًا نحتاج للحكمة في تعاملاتنا، القوة قد تنجح ولكنها لا تصمد، بينما تأخذنا الحكمة والحب لما يُخلّد للأبد ويُحفر في الذاكرة كشعورة وفكرة وسلوك يتم نقله للأجيال، وهذه مسؤوليتنا، أن نقود بالحب ويقودنا الحب فتتجلّى إنسانيتنا، وأن نحكي القصص التي قدنا فيها بالحكمة ونعلّمها للآخرين لتزهر الحياة محبة وعطاء وإنسانية.

أخيرًا .. لا مفر من إلقاء الأوامر ولكن كيف نُلقيها وكم تشكّل من نسبة العلاقة والتعاملات ككل، وكيف نجعل الآخر متناغمًا معنا بحيث يبادر بمحبة قبل أن تلقى إليه وهذا مستوى الحكمة والفهم.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

أضف تعليق