يقارن العقل البشري بطريقة شبه تلقائية بين الأشياء والخبرات والأشخاص والأحداث والزمن، ويظل هذا جزء من تكويننا العقلي والنفسي الذي يجب أن نعرفه ولا يمكننا الفكاك عنه ، وحسب نظرية المقارنة الإجتماعية للباحث ليون فيستنجر عام 1954 فإن الإنسان يميل إلى المقارنات الإجتماعية ليتسنى له تقييم ذاته عبرالنماذج التي يراها، إنها تحدث في العقل بغير وعي.
ولكن ألم تتساءل ـ على الرغم من تلقائية المقارنة وضرورتها للتقييم – ما الذي يجعلنا كمرشدين نصرخ بعلو أصواتنا ” لا تقارن بينك وبين الآخرين “!!
إننا نرى عشرات الحالات ممن أفقدتهم المقارنات – التي تتم داخل عقولهم – الكثير من تركيزهم تجاه هدفهم فضلًا عن الشعور بعدم الرضا مما يجعلهم فاقدي الرغبة للعمل والحياة ككل أو يائسين من النتائج.
احدى قواعد تربية طفل بشخصية قوية هو أن لا تضعه في مقارنات بينه وبين أخيه أو أي طفل من العائلة أو أقرانه. وكون المجتمع يقارن بشكل مستمر فذلك ليس مبررًا لأن تضع نفسك تحت ضغط أكبر من المقارنات. التفكير الجمعي غالبًا غير واعي، ومسؤوليتك كفرد هو أن تحذر وتنتبه أكثر تجاه ما يُقدّم لك كفكرة، وأن يكون وعيك الخاص هو ما يقودك للصواب.
ستظل المقارنات أصل في النفس البشرية، لذلك جاء التقنين والإرشاد واضحًا في الحديث النبوي كعلاج فعال وكخط عريض يخبرك لأي مدى تقارن وكيف تعيد نفسك في كل مرة لمسارها الصحيح.
“انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ”
وهذه ما تسمى بـ “المقارنات الاجتماعية التنازلية أو الهابطة” إنها تزيد من احترام الذات وارتفاع معدل الرضا مما يقود إلى التوازن النفسي.
ولكن انخراط الإنسان في المقارنات التصاعدية واسترساله بها يُشتت العقل ويُرهق القلب والروح ويأخذه ككل باتجاه التنافس المذموم، لذلك فالأولى قطع الفكرة من بدايتها.
ولكن ليس ذلك على المطلق فقد تكون لبعض الأشخاص هي مصدر إلهام وتحسن وتذكي الرغبة في العمل، وتعطي تقييمات صادقة، لأن هناك نماذج أنت تقيّم من خلالها .
إن انفتاح العالم على بعضه بشكل كبير وتطبيقات التواصل الإجتماعي تحديدًا جعلت العقول بيئة خصبة للمقارنة السلبية بشكل أكبر مما هي عليه ولكن على الإنسان أن يربي نفسه، والوقت الذي يقضيه في المقارنة الأولى أن يقضيه في تحسين حياته.
إننا نواجه من لم يعد ترضيه مستوى وظيفته ، أو شريك حياته ، أو مستوى تفوق أولاده أو حياته ككل لذلك كان النداء بشكل كبير ومركز بلا تقارن، أنت مختلف بالكلية وعليك أن تدرك ذلك وتسعى وفق ذلك.
أن أقارن وأنا لا أملك نفس الامكانيات والظروف فتلك مقارنة مجحفة ولن تأتي بخير.
ماذا لو أغرقني المجتمع بالمقارنات ووضعني تحت ضغطها! وسيحدث هذا غالبًا.
أنت أمام خيارين إما أن ترضخ لها وتضيع في تلبيتها وهي فوق طاقتك، أو أن تعيش وفق ما تراه صحيحًا لأنها هي حياتك أولًا وأخيرًا وعليك أن تفعل ما أنت مقتنع به.
سيقارن المجتمع بين تكاليف فرحك وتكاليف فرح فلان، سِن زواجك ، وظيفتك، سيارتك ، بيتك ، اجازاتك ….. وربما تدخل في مفاضلات ،وهنا ينبغي أن تعوّد نفسك أن لا تكترث، وتربي من حولك على القناعات الصائبة والمثمرة وحسب.
وهذه تدخل في قوة الشخصية وثبات المبدأ.
يدرك ذلك، الأب الذي يطالبه طفله بآخر اصدار من لعبة سعرها نصف راتبه أو تزيد بذريعة أن ابن خالته لديه هذه اللعبة.
فضلًا عن مشكلات الحياة الأسرية ككل، وانخفاض مستوى الرضا عن الحياة المعيشية وعن الشريك وما يقدمه.
تخيل نفسك اضطررت للعيش في مدينة أخرى ، ثم بدأت تقارن بشكل مستمر كيف هو الحال هنا وكيف كانت مدينتك ، هذا سيلهيك عن
رؤية الأمور الايجابية وما يمكن أن تستمتع به، وهذا يحدث بشكل تلقائي ، ولكن عليك أن تحاول أن تنقله من اللاوعي إلى الوعي!
إن كانت المقارنات ستأخذك لمستوى أفضل، نفسيًا ومهنيًا وبالحياة ككل فقارن بلا توقف.
قد تأخذك على المستوى المهني ربما، ولكن النفسي أشك في ذلك حيث أنها ستجعلك تطحن بداخلك وبشكل مستمر إن لم تستخدمها بحذر.
إن كنت ستخوض مقارنة فيجب أن تكون كذلك منطقية، سيقارن الموظفين بين بعضهم البعض من حيث المسمى الوظيفي وترقياتهم
ورواتبهم ولكن لن يقارنوا أنفسهم بملّاك الشركة مثلًا !!
يمكن استخدام المقارنات بشكل محفز، مثل الذين يستخدمون حمية غذائية ويضعون صور محفزة لأشخاص فقدوا وزنًا زائدًا.
نقارن أو لا نقارن ؟
توقف عن المقارنة حين لا تجدي وترهقك.
انقل المقارنة من اللاوعي إلى الوعي، واجعلها مما يطورك بشكل مستمر.
تعلم من الآخرين، أحبب ما يفعلوه، قم بمحاكاتهم دون أن تقارن بشكل يربكك من الداخل والخارج.
ليس هناك قاعدة على المطلق، والمعيار هو النتائج.
هل نستطيع إيقاف المقارنات بالكلية ؟
لا نستطيع ، ولكن النداءات بعدم المقارنة ستنقلها من مقارنة غير داعمة، إلى مقارنة صحية وأكثر وعيًا دون الإنخراط فيها بشكل مربك.
أخيرًا .. نحن نقارن شئنا أم أبينا لذلك قارن بوعي.
