بين أن تتبع شغفك ولا تتبعه

ينادي الكثيرون من باب النصح بفكرة “لا تتبع شغفك، إنهم يخدعوك بهذه المقولة”!، والرد والشرح يعد من مضيعة الوقت والجهد لي وللآخر ولا يجدي، لذلك آثرت هنا أن أكتب هذه التدوينة كبيان وإيضاح لكل من يقول لا تتبع شغفك.

لي مع الشغف رحلة ابتدت أثناء دراستي في الجامعة حين كنت أبحث عن شيء يشبهني وأثبت به قدرتي على النجاح، حاولت جاهدة الوصول إليه ووصلت بحمد الله، إلى أن صرت أساعد وألهم في إيجاده لدى الآخرين وفق قواعد وحذر شديد لأن هذا جزء مهم من حياة الإنسان لا ينبغي معاملته إلا بالحرص والعناية الفائقة.

في كل جلسة ارشاد أقدمها استحضر أن هذه الساعة قد تبني وقد تهدم، وعلي ادراك ذلك جيدًا والمساعدة بكل ما أوتيت من قوة سائلة الله أن يلهمني الرشد وأن يجعلني أداة بناء وتغيير في حياة إنسان.

حجة كل من يقول لا تتبع شغفك، هو أنه من الخطأ أن تترك وظيفتك لتتبع شغفك، ولا أدري من الذي قال أن المبدأ في اتباع الشغف وتنميته هو ترك الوظيفة. لا أحد مدرك وعاقل يقول هذا الكلام أو يتبع هذه النصيحة ولا نروج لها أبدًا، من البديهي جدًا أن تؤمّن لنفسك حياة كريمة أولًا وقبل كل شيء ثم يأتي الشغف في المرتبة الثانية ليكن مصدرًا لدخلك أو ترفيه نفسك.

إننا أمام جيل ليس كسابقيه أبدًا، متميز في ذاته وقدراته، تحركه الدوافع الداخلية دون أي اعتبارات للضرورة، لن يرضى أن يعمل في شيء لا يحبه اطلاقًا أو لمجرد العمل، صبره واصطباره قليل ويريد أن يرى النتائج بسرعة مذهلة لأن كل ما حوله سريع، يريد أن يكون مصدر دخله من لعبة أو قناة في اليوتيوب أو أي شيء ممتع بالنسبة له.

الجيل السابق يؤمن بأنه يجب أن يكون بأي وظيفة كانت، المهم أن يؤمن مصدر دخله ويبني أسرته، ومن قبلهم يرون أنه يجب أن يكونوا على نفس ماكان عليه والديهم، فالمزارع يعمل في زراعة والده والتاجر في الدكان معه وحتى الموظف يؤهل ابنه ليكن بنفس الوظيفة، أما الآن فنحن أمام وضع مختلف جدًا وبالكلية وعلينا أن نستوعب ذلك.

كعادتنا دائمًا في حواراتنا، نختلف ونختلف ونختلف وحين نتفحص الأمر نجد أننا متفقين على المعاني مختلفين على المصطلح ذاته، وإن افترضنا أننا اتفقنا سويًا على مقولة لا تتبع شغفك، فإننا سنقول توجه لتخصص تحبه، استثمر نقاط قوتك، حوّل هواياتك لشيء مفيد وهي نفس الشيء بالضبط، وحول الشغف مازلنا ندندن.

في جلسات الإرشاد الخاصة باكتشاف الشغف، استقبل أشخاص كثر ممن لديهم وظائف ممتازة وجيدة ماديًا واجتماعيًا، إلا أنهم ومع ذلك يبحثون عن شغفهم وتحقيق المعنى من خلاله وتحويله لعمل يجعلهم أكثر سعادة وراحة، ولو كان عملًا جانبيًا يجد متنفسه فيه.

أليس ذلك غريبًا! بلى، والتفسير بكل بساطة أن الشغف هو المعنى وهو ما يحقق للروح اكتفاءها والوصول لكينونتها وما يجعل الحياة أسهل، ولكن متى يحدث ذلك ؟ حين يؤمّن الإنسان حاجاته الأساسية من المعيشة ومتطلبات الحياة الكريمة.

هناك أربعة دوائر مهمة يجب أن يلتقي فيها الشغف : ( ما تحبه وتستمتع فيه ، ما تجيد وتتقن القيام به ، ما تستطيع الكسب منه ، ما يحقق معنى وخدمة للناس )

الدوائر الأربعة لاختبار الشغف

إن الخلل في أحد هذه الدوائر يجعل من الشغف مجرد هواية جانبية، ولا يعتد به كشغف من الجميل لو استثمره الشخص، ولنكن على بينة أكبر دعونا نتعرف على الذي نفعله بالضبط حين نوجه ونرشد باكتشاف الشغف:

أولًا : وبكل بساطة أنت لست مطالب باكتشاف شغفك إذا لم تشعر بحاجة ملحة لهذا الأمر!

ثانيًا : في جلسات الإرشاد سيكون المستفيد أحد هذه الحالات :

  • يريد اكتشاف شغفه : ودورنا هنا مساعدته في معرفة شغفه من خلال المقاييس أو نقاط القوة لديه أو بعض الأمور الذي لم يكن منتبهًا لها.
  • يعرف شغفه ولكن يريد أن يحوّله لعمل : وهنا دورنا في مساعدته ليحوّل شغفه لمسار مهني بما يوافق قدراته وامكانياته، سواء كان بجانب وظيفته أو بما يحل مكان وظيفة لم يجدها حتى الآن.
  • يعرف شغفه ويعمل به ولكن انطفئ حماسه تجاهه : هنا دورنا أن نبحث عن أسباب الانطفاء ونوجه بكيفية صيانة الشغف وتطويره واستثماره الإستثمار الصحيح.

هنا تحدثت عن رحلة البحث عن الشغف بتفصيل أكبر

ثالثًا : قد يستدل البعض بنجاح أشخاص في الجانب المالي لم يعملوا في شغفهم، بالمقابل هناك أمثلة أخرى لأشخاص نجحوا نجاحاً باهرًا ومذهلًا من خلال تحويل شغفهم لمنظومة متكاملة ورابحة، في الحالتين جميعهم عملوا من خلال نقاط قوتهم، بغض النظر عن التفاصيل الداخلية للعمل. الأمر يحتاج للدراسة وليست على مطلقها تُرفع الشعارات، سواء كانت اتبع شغفك أو لا تتبعه.

رابعًا : هناك أسئلة مهمة يجب توضيح اجابتها لنخرج من هذا الخلاف وليطمئن القلب أكثر.

  • هل يجب أن تكتشف شغفك ؟ لا ، طالما كنت متصالحًا مع حياتك.
  • هل يجب أن تتبع شغفك ؟ لا ، إذا لم ترد ذلك.
  • هل يجب أن تعمل في شغفك ؟ لا ، طالما كانت لديك وظيفة مستقر بها ماديًا ونفسيًا، وإن لم تكن مستقر وفّر البدائل.
  • إذن .. متى يجب علي أن اكتشف شغفي واتبعه ؟ في حال شعرت بحاجة ملحة بداخلك أو بملل يجعلك تبحث عن شيء لا تدري ماهيته.

الشغف ليس موضة مؤقتة، سيظل موجودًا وإن تغيّر اسمه يومًا ما وإن لم يكن حتى يملك اسمًا، سيظل الإنسان كلما زادت رفاهيته في الحياة يبحث عن عمق رسالته وعن دوره وكيف يكن أكثر سعادة حتى في تحصيل لقمة عيشه، فضلًا عن تعددية الأعمال والقدرة على ابتكارها في هذا الوقت.

شكرًا لوصولك هنا، في حساباتي على انستقرام وتويتر الكثير من الموضوعات التي تخص الشغف وتشرحه بشكل مفصل، حتمًا ستجد ما يلهمك في كلمة أو جملة كما ألهم الكثيرين، قراءة ماتعة دمت بشغف تجاه الحياة.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

رأيان على “بين أن تتبع شغفك ولا تتبعه

  1. متشكرة لك جدا على هذه التدوينة القيمة خلود، شخصيا صرت أميل لاتباع شغفي أكثر من أي شيء آخر على الأقل هناك متعة وطول بال وصبر عكس اتباع الطرق التقليدية كما ذكرت في المقال
    شككرا جزيلا 🌸🙏

    إعجاب

أضف تعليق