أنْ لا تُشارِك تفاصيل حياتك ..

أصبح من النادر جدًا أن نحتفظ بأبسط تفاصيل حياتنا وأن لا نشارك الآخرين الكتاب الذي نقرؤه، نوع القهوة التي نتناولها، مشاويرنا ومهامنا، مشاعر اللحظة، الفكرة الطارئة وغيرها الكثير من الأحداث اليومية والتي يبدو حدوثها من الطبيعي والعادي جدًا.

حتى وقت ليس بالبعيد كانت مشاركة كل التفاصيل هي عادة منبوذة جدًا، ولكن مع الوقت أصبح الأمر أقرب إلى الاعتيادي بل الضروري والذي قد يشكّل فكرة عن مدى انفتاحك نحو العالم ومرونتك، فضلًا عن التعجب لو حدث خلاف ذلك!

السؤال .. إلى أي حد نشارك يومياتنا وتفاصيل حياتنا، اهتماماتنا، علاقاتنا القريبة، وممتلكاتنا ؟ لماذا لا نكتفي بمشاركة الدوائر الصغيرة والحقيقية المحيطة بنا ؟

قد يختلف المقياس من شخص لآخر، ولكن يجب أن نحتكم للصدق مع ذواتنا ونحصي اللحظات التي نشاركها ثم نقارنها مع ما لا نشاركه ونتساءل أيهما أكثر!

يجب أن يظل هناك جزء كبير من حياتك هو خاص بك وللدائرة القريبة تجعله في الظل، تسكن إليه وتطمئن بعيدًا عن الصخب، وتستمتع به على كل حال.

أعرف أن الموازنة صعبة في هذا الفضاء المفتوح والذي لا يتوقف أبدًا، ولكن مسؤوليتك تكمن في حماية نفسك من الانجراف في هذا الصخب والانغماس في التشتت.

انظر للأمر على أنه كرة الثلج التي تكبر مع العادة والاستمرار، إنها ليست ممارسة صغيرة بل ينشأ عنها الكثير من الأمور على المدى البعيد.

ما زالت فكرة مشاركة الغرباء أدق تفاصيلنا هي فكرة تستوقفني، وأحاول جاهدة أن لا أتخلى عن استنكارها كسلوك وأنا أحافظ على مدى تعجبي منها، وأن لا أنساها مع الصخب الرقمي الذي نعيشه. أحيانًا أتوقف متأملة كيف لشخص غريب يطل من نافذة حساباتي، ليعرف خلال فترة وجيزة اهتماماتي وميولي ولوني المفضل وذائقتي الغنائية والأماكن التي أرتادها بكثرة والكتب التي أقرأها والأشخاص الذين أتابع محتواهم ونمط الحياة الذي أعيشه وما إلى ذلك من تفاصيل تخبر الكثير عن شخصية الإنسان.

لا أحب الخوض كثيرًا في هذه الأفكار لأنها قد تبدو مستهجنة بعض الشيء لجيل لا يعرف سوى هذه الحياة ويراها طبيعية جدًا، بينما هناك من قد جربوا أن يعيشوا الحياتين، بين مشاركة محيطهم الصغير وبين المشاركة لفضاء مفتوح لا حدود فيه، لذلك صار الانتقال فجأة لعالم أوسع صعب جدًا، فكيف لو نشأوا على مبدأ ” اخفي عن الناس ذهبك ومذهبك وذهابك” !!.

ومن جرّب الأمر ونقيضه يستوعب ويدرك أكثر ممن خاض تجربة واحدة.

مهما يكن ولأي جيل كنت تنتمي فهذه دعوة للتوازن، لإدراك ما يمكن ادراكه، للتقنين وتركيز الانتباه بعيدًا عن التشتت، للمحافظة على طبيعة الحياة الإجتماعية الحقيقية والتواصل ولحماية أنفسنا.

شارك بالجزء المعقول من حياتك ولا تعرضها بالكلية.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

لا توجد آراء بشأن "أنْ لا تُشارِك تفاصيل حياتك .."

أضف تعليق