١٠ أعوام في عالم التدريب

قبل يومين أدركت أني سأتم عامي العاشر في المجال الذي بدأت به منذ عام ٢٠١١ م ، عشرة أعوام مليئة من كل شيء، الأمر لا يقتصر على المزايا والإيجابيات، بل على العيوب والسلبيات أيضًا.

كنت سابقًا متحدثة ومدربة وذلك بالموهبة الفطرية والصقل لها من الأهل والمعلمات، حيث قدمت الكثير من الورش واللقاءات أيام الدراسة وكنت من رواد الإذاعة المدرسية والأنشطة اللاصفية.

في ٢٠٠٨ وبالتعاون مع أحد المعاهد التدريبية قدمت دورات في السكرتاريا وخدمة العملاء والتسويق ومنحت شهادة خبرة على ذلك، إلا أن رحلتي في عالم التدريب بدأت بشكل حقيقي ومركز حين قدمت مداخلة في أحد الدورات بالقاعات الصوتية عن بُعد، حيث علّقت الزميلة الرائعة حصة الزعبي قائلة : ” أنت مشروع مدربة ناجح ” ، حينها لم أكن أعرف ما التدريب ولا كيف أتحصل عليه، فساعدتني للإلتحاق بأول دورة تدريب مدربين !

إنها عشرة أعوام .. عشرة أعوام بأيامها ولياليها .. عقد من الزمان كان شعاره العمل الدؤوب الجاد على أرض الواقع وعن بُعد، عشرة أعوام وليست عشرة أشهر فمن المستحيل أن تمر بلا أخطاء أو عثرات، عشرة أعوام لم يكن الأمر بها سهلًا ، حيث كنت أشق الطريق بنفسي واستكشف منحنياته وسبله المتفرعة دون أن أسلّم عقلي لأحد، عشرة أعوام من محاولة التيقظ المستمر والتساؤلات والتجارب والنجاحات والإخفاقات والأرباح والخسائر.

عشرة أعوام إن كنت دؤوبًا وعنيدًا مثلي فستجعلك تجرّب الكثير لتعرف أين مقام نفسك وأين تريدها أن تكون وسيلفتك بريق بعض الأشياء ثم تكتشف أن ليس كل ما يلمع ذهبًا ويكفيك أنك اكتشفت ولم تغتر بسذاجة.

قبل ١٠ سنوات من الآن كان تبرز هذه المجالات بشكل كبير في عالم التدريب : ( علم الطاقة وما يتعلق به، البرمجة اللغوية العصبية والتنويم الإيحائي ، الجرافولوجي والجرافوثيربي وما يتعلق بهما ، لغة الجسد ، وغيرها من العلوم ) بغض النظر عن الإيمان بها أو محاربتها ونظرًا لحداثتها في عالمنا العربي فكان الإقبال عليها كبيرًا والإنسان عادة مُغرم بمعرفة نفسه وفهم بواطن وخفايا غيره.

في الواقع لم أكن أستطيع تبني وجهة نظر محددة دون الدخول بتوغل في عوالم كل تخصص، وكانت العملية شبه عشوائية فضلًا عن أصوات هجوم المعارضين ودفاع المؤيدين ولكنها مع ذلك كانت تلقى رواجًا واقبالًا، هذا الفضول وحب المعرفة جعلني أخسر الكثير من الأموال ولكن بالمقابل أضاف لي خبرة لا توجد عند أي أحد، فالناجين غالبًا هم من يملكون القصص، وأنا أعنيها جيدًا، أن تنجو بعقلك ومعتقدك ومالك ووقتك أيضًا.

إن التدريب اليوم هو مهارة مكملة وليست مهارة أساسية وهذا ما لا يدركه البعض، أن تكون مدربًا فقط لا يعد أمرًا مجديًا، وأن تكون مدربًا لفن يتحدث عنه الكثيرون أيضًا لن يفيدك ما لم توجِد قيمة اضافية مميزة تخصك وتقدمها لعملائك. من الجميل أن تكون المعلم المدرب، الخطيب المدرب، الإداري المدرب، التقني المدرب ……. وقس على ذلك لأن التدريب هو فن مخاطبة الجمهور وإيصال الفكرة لأذهانهم بسلاسة، امتلاكك لأدوات التدريب هو المهم وهو الذي سيجعلك تصنع الفارق.

الساحة مكتظة بالمدربين، والفكرة التي ينظر لها الآخرين أن ( التدريب مهنة من لا مهنة له ) وهذا يزعج أحيانًا كل شخص يرغب بتقديم قيمة حقيقية وإضافة ومعنى، وهذا ما يجعلني حقيقة أتجنب كلمة مدربة قدر الإمكان وذلك للسمعة السيئة التي تلحق بها.

سأكتب هنا أهم الأسئلة الشائعة والتي أسمعها بكثرة وسأذكر أهم النقاط والتي ستحدث فارقًا بإذن الله.

  • كيف أتخصص في التدريب ؟

لا يوجد تخصصات واضحة بالتدريب، ولكن عليك اختيار ما يناسب دراستك أو خبرتك المهنية أو بحثك وقراءاتك وتعلماتك الخاصة أو شغفك، يمكنك التخصص بالتدريب الإداري أو المهني بشكل محدد كتدريب موظفي خدمة العملاء إذا كنت تمتلك الخبرة، أو تدريب الشباب على مهارات العمل الحر والتسويق الإلكتروني أو التدريب في المهارات التقنية كالبرمجة والأمن السيبراني، أو المالي والاستثماري ، أو التدريب الموجه للطلاب في اختيار تخصصاتهم وما يناسبهم من مهن وغيرها من التخصصات.

عدم التخصصية في التدريب لن تفيدك ، ودعني أقولها لك بصراحة، التدريب في أشباه العلوم والقشور وما لا يُتفق في صحته لن يضيف شيئًا لمسيرتك المهنية إلا لو كنت مقتنع تمامًا بما تقدمه. إن كان يراودك شك بجدوى ما تقدمه ولو ١٪ فأنا أنصحك بالتوقف وأن تتجه لما أنت متيقن بجدواه وفائدته للمتلقي.

  • ماذا بشأن شهادات التدريب ؟

في الحقيقة وعلى مر العشر سنوات، التحقت بدورة تدريب المدربين ٤ مرات ، في كل مرة احرص على التتلمذ على يد مدرب أكثر احترافية وشهرة من سابقه، بلغ مجموع ما أنفقته فقط على دورات تدريب المدربين أكثر من ٢٠.٠٠٠ ريال !! الشغف يفعل أكثر من ذلك ، ناهيك عن الأموال الطائلة والتي ذهبت في استكشافات بعض العلوم وأشباهها وذلك فقط كي أتمكن من أخذ رأي صحيح بحيالها دون أن أتحدث بلا علم.

شهادة واحدة معتمدة تكفيك ، مع الممارسة والحرص على الحضور لكبار المدربين والتعلم بالملاحظة منهم عن طريق اليوتيوب أو مباشرة إذا تمكنت، والممارس غلب الفارس، هكذا يقولون.

لا أخفيك أن حضوري لأكثر من مدرب ومعرفة أسرارهم صقل من مهارتي كثيرًا وجعلني أمتلك سحرًا خاصًا وخلطة سرية، على الرغم من أن الكثيرين سيرون أنه لو كان من الأفضل بذل الأموال والجهد والوقت في غير هذا، إلا أن ذاك الوقت كان مختلفًا عن الآن بكل شيء، ولم يضع هذا الجهد سُدى ولله الحمد وأنا الآن أقطف ثمار هذا التعب.

  • هل التدريب مربح ؟

مربح في حال قدمته وبنيته بشكل صحيح، من خلال تقديم قيمة للناس وتعريفهم بالعمل الذي تقدمه وكيف يمكنك مساعدتهم. اقترح عليك أن تركز في فكرة واحدة لجمهور محدد وتبني لهم برنامج مميز ونوعي يستطيع احداث أثر وفارق في حياتهم.

  • هل انتهى زمن التدريب كما يقولون ؟

انتهى زمن العشوائية، وزمن قبول الناس لأي فكرة، وزمن سطحية الأفكار وغير المجدية منها ، الآن يجب عليك أن تفكر في فكرة تخدم حياة الناس وتواكب تغيراتها وتساعد أيضًا في أن يرتقي الإنسان بحياته المهنية والمالية والاجتماعية كذلك.

فضلًا عن أن الدورات صارت تقدم بمبالغ لا تخطر على بال، قبل قليل شاهدت اعلان ” تدريب مدربين بـ ٩٩ ريال + شهادة معتمدة ” !! فإن كنت تنظر له كمجرد سوق فهو ليس سوقًا رابحًا بمعايير عادية، عليك أن تبحث عن المعنى والقيمة والجدوى ثم المال.

الإشكالية الأخرى في عالم التدريب غير المقنن هو أن المدرب ” بتاع كله ” هو الذي يعد المادة وهو الذي يقدمها وأحيانًا يسوّقها أيضًا، عالم التدريب مليء بالتخصصات ليس التدريب أمام الجمهور وحسب ، هناك المتخصصين في إعداد البرامج أو الألعاب التدريبية أو التسويق للبرامج التدريبية أو قياس عوائدها المعرفية وغير ذلك.

الدورات التدريبية أكبر من جمع مواد أو خبرات وتعليمها، إن تصميم الجلسة التدريبية الواحدة يستغرق من المدرب الكفء وقتًا طويلًا، اختيار اللعبة التدريبية المناسبة كذلك فن، ترسيخ المفاهيم وضرب الأمثلة والافتتاح الإغلاق كل ذلك يخطط له بطريقة مدروسة.

عالم التدريب مليء من كل أصناف البشر، فكن حذرًا وانتبه أن يتم استغلالك كمبتدئ، اصنع عالمك واختر شركاءك بعناية وفكّر بعقلية اليوم ، وإن استطعت بعقلية الغد، فمن يريد أن يتطور لا يمكنه التفكير بعقلية الأمس.

أكتب هذه التدوينة لأسباب عدة، منها : أني أستقبل الكثير من الأسئلة عن هذا الموضوع تحديدًا ، فضلًا عن تقديم الجلسات الإرشادية في المساعدة لتحديد المسارات التدريبية للمدربين المستجدين والتحسين من أسلوب عملهم.

رسالتي لك :

حدد تخصصك التدريبي والفئة المستهدفة بدقة واتجه نحو التخصصات التي تخدم الجوانب المهنية أو الاجتماعية، أنشئ برنامجك التدريبي ولو بشكل بسيط وطوّره مع الوقت، المهم أن تعده وفق منهجيات اعداد البرامج التدريبية ذات العوائد المعرفية والمهارية، اهتم بحسابات التواصل الإجتماعي وقدّم الفائدة والقيمة لهم، كن مقتنعًا بجدوى ما تقدمه ١٠٠٪.

في عالم التدريب يوجد الكثير من الأساتذة والذين يقدمون بإخلاص وتفاني وبقيم عُليا ومعاني فاضلة ، تعلمنا منهم كيف يكون التواضع وخدمة الناس، لا يمكننا أن نجازيهم إلا بشكرهم والثناء عليهم والدعاء لهم بأن يطيل الله في أعمارهم ويرزقهم الصحة والعافية ويجزاهم عنّا كل خير.

إذا كنت في هذا المجال وقد منّ الله عليك بقدرة ايصال الفكرة بشكل سلس وسهل ومقبول لدى الناس، فلا تتوانى في غرس البذور الطيبة في أي أرض، المال مهم ولكن وازن بين ما تعطيه بلا مقابل وما تمنحه بالمال، واصدق مع الله يصدق الله معك.

أخيرًا ..

فخورة بالعشرة أعوام هذه والخبرة التي اكتسبتها والعلاقات التي كونتها وكل برنامج صممته أو مقالة كتبتها أو أي محتوى نشرته تاركًا أثرًا وتغييرًا ألمسه في من حولي، فخورة باستمراريتي وعملي الدؤوب واكتشاف شغفي مبكرًا وكل التوفيق أتمناه لك أيًا كانت رحلتك وقراراتك.

نُشر بواسطة خلود بادحمان

أشاركك أفكاري

أضف تعليق